📁 آخر المقالات

لماذا تخذلنا الكلمات؟ قصة صراعنا مع التعبير باللغة العربية


هل سبق لك أن وقفت أمام زملائك في القسم، أو في اجتماع عمل، وشعرت أن الأفكار تتراقص في ذهنك بوضوح تام، لكن الكلمات تأبى أن تخرج؟ هل أحسست أن لسانك مقيّد، وأنك تملك الكثير لتقوله لكنك لا تجد السبيل للتعبير عنه بلغة عربية سليمة ومسترسلة؟ أنت لست وحدك. هذه التجربة التي تبدو شخصية هي في الحقيقة ظاهرة جماعية يعيشها ملايين الجزائريين كل يوم. إنها قصة "اللسان المكبّل"، وهي ليست قصة عجز فردي، هي نتاج رحلة طويلة ومعقدة ذات أبعاد اجتماعية وتاريخية ونفسية متشابكة. لكن في هذا المقال، سنغوص في جذر المشكلة الذي نملكه بين أيدينا: البعد التربوي. سنروي قصة "اللسان المكبّل" التي تبدأ فصولها الأولى في مدارسنا.

نقلة الشطرنج: مفارقة إحياء اللغة العربية

لنفهم جذور الحكاية، يجب أن نعود إلى ما بعد الاستقلال. كان قرار إعادة إحياء اللغة العربية ونشرها ضرورة وطنية وهوياتية لا غبار عليها. لقد كانت خطوة جبارة نجحت في إعادة اللغة إلى مكانتها الرسمية في التعليم والإدارة. ولكن، كما في أي نقلة شطرنج استراتيجية، كل حركة تخلق نقاط قوة ونقاط ضعف في نفس الوقت. كانت نقطة الضعف غير المقصودة هي أن اللغة التي تم إحياؤها كانت لغة أكاديمية، لغة الكتب والمناهج، وبقيت منفصلة عن لغة الحياة اليومية المتطورة في الشارع. وهكذا، وبدون قصد، خلقت المنظومة التربوية أزمة هوية لغوية عميقة، حيث أصبحنا نعيش في عالمين لغويين متوازيين لا يلتقيان إلا نادراً.

الفصل الأول: "الفصام اللغوي" بين المدرسة والشارع

هنا يكمن السبب الأخطر والأكثر تأثيراً في مشكلتنا: الانفصال التام بين لغة العلم ولغة الحياة. تبدأ حكايتنا في مقاعد الدراسة، حيث نتعلم بالفصحى، لكننا نعيش ونشعر ونحلم بالدارجة. هذا الانفصام يخلق عبئاً إدراكياً هائلاً. فعندما نريد التعبير عن فكرة، فإنها تتشكل أولاً في عقولنا بالدارجة، ثم تبدأ عملية "ترجمة" ذهنية معقدة ومرهقة إلى الفصحى قبل أن ننطق بها. نحن لا نفكر بالفصحى مباشرة.

وهنا تظهر المفارقة: عندما تتحدث مع جزائري مثلك بالدارجة، "تغرّد كالبلبل"، لأن الفكرة تخرج من العقل إلى اللسان مباشرة دون حواجز أو ترجمة. لكن في موقف رسمي يتطلب الفصحى، تبدأ المعركة الداخلية: الخوف من الخطأ النحوي، والبحث عن المفردة المناسبة، والشعور بالعقدة الذي يجعلنا "نفكر ألف مرة قبل نطق أي كلمة". هذا هو تماماً ما يجعل استرسال الكلام صعباً ومتقطعاً.

الفصل الثاني: ملاذنا الأخير.. الهروب إلى الكتابة

أمام هذا التحدي الشفهي، ليس من الغريب أن يجد الكثير منا، وأنا منهم، ملاذاً آمناً في الكتابة. لماذا نميل إلى الكتابة أكثر من الكلام؟ لأنها تمنحنا "ترف الوقت". الكتابة تعطينا المساحة الكافية لإجراء عملية "الترجمة" من الدارجة إلى الفصحى بهدوء، ثم مراجعة النص وتصحيحه وتحسينه قبل أن يراه النور. إنها غرفتنا الخاصة التي نمارس فيها طقوس الانتقال بين العالمين اللغويين دون ضغط المستمع الذي ينتظر جواباً فورياً. ولهذا السبب، غالباً ما تكون قدرتنا على التعبير الكتابي بالفصحى أفضل بكثير من قدرتنا على التعبير الشفهي التلقائي.

ما العمل؟ كيف نُحرّر ألسنتنا؟

إن إدراك أبعاد المشكلة هو الخطوة الأولى نحو الحل. هذه ليست دعوة للتخلي عن لهجتنا أو اللغات الأخرى، بل هي دعوة لردم الهوة بين لغتنا الرسمية وواقعنا المعاش، لتتحول من لغة تُدرَس إلى لغة تُعاش.

  • ابدأ بالقراءة: اقرأ كل يوم لمدة 15 دقيقة فقط في مجال تحبه. القراءة لا تزيد مفرداتك فحسب، بل تجعلك تتشرّب التراكيب اللغوية السليمة دون مجهود.
  • تحدّث دون خوف: ابحث عن صديق أو قريب، واتفقا على التحدث بالفصحى لمدة قصيرة كل يوم. تقبّلا أخطاء بعضكما البعض واضحكا عليها. الهدف هو كسر حاجز الخوف.
  • اكتب لنفسك: احتفظ بمذكرة صغيرة ودوّن فيها أفكارك أو خواطرك باللغة العربية. لا تهتم بالكمال، فقط اكتب. الكتابة ترتب الأفكار وتدرب العقل على صياغتها.
  • حاصر نفسك بالعربية: استمع إلى البودكاست والكتب الصوتية العربية، وشاهد الأفلام الوثائقية. كلما سمعت اللغة سليمة، أصبح نطقك بها أسهل.

صرخة من الميدان: نحو واقعية تربوية

وهنا أطرح اقتراحاً عملياً، نابعاً من صميم التجربة الميدانية وأؤمن بفعاليته: يجب أن نتوقف عن التشدد في فرض استعمال الفصحى بشكل حصري في أقسامنا، وأن نعيد النظر في دور المفتش ليتحول من "مراقب لغوي" إلى "موجه بيداغوجي".

هذا لا يعني أبداً التخلي عن لغتنا العربية الفصحى، بل على العكس، هو استخدام ذكي للغة التي يفكر بها التلميذ (الدارجة) كـجسر آمن يعبر به إلى ضفة الفصحى. عندما نسمح للمعلم بتبسيط فكرة بالدارجة، أو نسمح للتلميذ بطرح سؤال بلغته التي يرتاح لها، فإننا نزيل جدار الخوف ونركز على الهدف الأسمى: الفهم. إنها دعوة للتحول من منطق "الفرض والإقصاء" إلى منطق "الاحتواء والتمكين".

هذه الرؤية تتطلب نقاشاً أعمق حول منظومتنا التربوية ككل، وهو ما فصلت فيه في مقالي المحوري: "منظومتنا التربوية إلى أين؟ صرخة من الميدان لتشخيص الداء ووصف الدواء".

في النهاية، إن رحلة استعادة طلاقتنا اللغوية هي رحلة لاستعادة جزء من هويتنا وثقتنا بأنفسنا. إنها معركة تستحق أن نخوضها، ليس فقط لننجح في دراستنا وعملنا، بل لنتمكن من التعبير عن أعمق ما في عقولنا وقلوبنا بكل حرية وجمال.

محمد بوداني
محمد بوداني
أستاذ متخصص في التاريخ والجغرافيا بخبرة تزيد عن 22 عامًا في ميدان التعليم. مؤلف كتاب "مصباح: أضئ عقلك وحول التعلم إلى مغامرة"، ومؤسس مدونة Taalim Hub ومجتمع مصباح. شغفي هو تبسيط العلوم وجعل التعلم رحلة ممتعة وملهمة. أشارك هنا استراتيجيات عملية وتقنيات حديثة لمساعدة الطلاب وأولياء أمورهم على تحقيق النجاح الدراسي وبناء مستقبل مشرق.
تعليقات