📁 آخر المقالات

منظومتنا التربوية إلى أين؟ صرخة من الميدان لتشخيص الداء ووصف الدواء

المقدمة: "بابا، لماذا ندرس كل هذا؟" - عندما يصبح سؤال طفل بوصلة لأزمة أمة

نبتة خضراء صغيرة تنمو من شق في أرضية خرسانية داخل قسم مظلم، ترمز إلى أمل إصلاح المنظومة التربوية في الجزائر.

"بابا، لماذا ندرس كل هذه المواد؟ بعض الدروس لا أرى فائدتها أبدًا ولا أهتم بها!". لم تكن هذه مجرد كلمات عابرة نطقت بها ابنتي، التلميذة في السنة الرابعة متوسط، بل كانت صرخة عميقة، تشخيصًا دقيقًا لأزمة جيل بأكمله. هذه الصرخة التي يرددها آلاف التلاميذ في أقسامنا يوميًا، والتي انفجرت بشكل واضح في احتجاجات طلابية واسعة طالبت بتقليص المناهج، كما فصلنا في مقالنا السابق حول إضراب التلاميذ في الجزائر: بين المطالبة بتخفيف المناهج والاتهامات بزعزعة الاستقرار، ليست تمردًا بقدر ما هي عرضٌ لمرض عضال أصاب جسد منظومتنا التعليمية: مرض "الحشو" الذي قتل المعنى، و"الانفصال عن الواقع" الذي أغرق المدرسة في غربتها.

كأستاذ قضى أكثر من عقدين في قلب الميدان، وكولي أمر يرى آثار هذه الأزمة على فلذة كبده، أجد نفسي اليوم أمام مسؤولية تتجاوز جدران القسم. مسؤولية الإجابة على سؤال: إلى أين نحن ذاهبون؟ وهل نملك الشجاعة لتشخيص النقاط السوداء التي أوصلتنا إلى هنا، ورسم خريطة طريق حقيقية للإصلاح قبل فوات الأوان؟ هذا المقال ليس مجرد سرد للمشاكل، بل هو محاولة لتفكيك آلياتها، وفهم ترابطها، واقتراح حلول عملية تنبع من صميم التجربة الميدانية.

المحور الأول: تشريح الأزمة - تفكيك الحلقة المفرغة للمنظومة

لفهم عمق الأزمة، لا يمكننا النظر إلى كل مشكلة على حدة. فالمنظومة التربوية أشبه بنظام بيئي معقد، كل عنصر فيه يؤثر ويتأثر بالآخر. الاكتظاظ، حشو المناهج، العنف، والدروس الخصوصية، ليست جزرًا منعزلة، بل هي أجزاء من حلقة مفرغة تغذي بعضها بعضًا. وفيما يلي تشريح لهذه الحلقة، بدءًا من خطيئة التأسيس الأولى.

1. نقطة البداية: "النجاح للجميع".. قنبلة التأسيس الموقوتة

كل بناء شامخ يبدأ من أساس متين، وأساس أي نظام تعليمي ناجح هو المرحلة الابتدائية. لكن، وللأسف، أساس منظومتنا يعاني من هشاشة قاتلة بسبب سياسة غير معلنة ولكنها مطبقة بقوة: "النجاح للجميع". هذه السياسة، التي تمارس ضغوطًا هائلة على أساتذة التعليم الابتدائي لضمان انتقال التلاميذ إلى السنة الأعلى، حتى لو كانوا يفتقرون للحد الأدنى من الكفاءات الأساسية كالقراءة والكتابة والحساب، ليست مجرد قرار إداري، بل هي خطيئة التأسيس الأولى.

إنها بمثابة تصدير قسري لتلاميذ غير مؤهلين إلى مراحل تعليمية أعلى وأكثر تعقيدًا. وصول هؤلاء التلاميذ إلى الطور المتوسط أشبه بإلقائهم في محيط هائج دون أن يتعلموا السباحة. النتيجة الحتمية هي بداية دوامة الفشل. يجد التلميذ نفسه عاجزًا عن مسايرة مناهج تتطلب مهارات لم يكتسبها، فيبدأ الشعور بالإحباط، ثم النفور، وصولًا إلى الرفض التام للمدرسة. وهنا، يبدأ الأستاذ في المتوسط مهمته المستحيلة كرجل إطفاء يحاول إخماد حرائق لم يشعلها، ويتحول القسم إلى ساحة لإدارة الفوارق المعرفية الهائلة بدلاً من بناء المعرفة.

ان هذه السياسة المتبعة في الحقيقة كانت كحل ترقيعي لمشكلة ارتفاع نسب الرسوب المدرسي، لكنها في الحقيقة زادت من الطين بله، فبحسب تقرير اليونيسف الجزائر فإن نسبة التسرب المدرسي في الجزائر بلغت حوالي 5.7%، وهو رقم يطرح إشكالية كبيرة أمام السياسات التعليمية.

2. قلب المشكلة: مناهج الحشو.. مصانع "الببغاوات" في العصر الرقمي

عندما يصل هذا التلميذ "الضعيف التأسيس" إلى المتوسط، يصطدم بجدار ثانٍ يزيد من مأساته: جدار المناهج المتضخمة. مناهجنا الدراسية، وبشهادة الكثير من الخبراء، مصممة على مبدأ "الكم على حساب الكيف". كثافة معلوماتية هائلة تجبر الجميع، أستاذًا وتلميذًا، على الدخول في سباق محموم لـ"إكمال البرنامج". الهدف لم يعد "الفهم" أو "بناء المهارة"، بل "الإنهاء" بأي ثمن.

هذا الحشو لا يرحم التلميذ الضعيف الذي يغرق في بحر المعلومات، بل يقتل الدافعية حتى لدى التلميذ المتوسط والمجتهد، الذي يشعر بأن ما يدرسه مجرد معلومات نظرية منفصلة عن واقعه واهتماماته. وهنا يطرح السؤال المنطقي الذي تحاول المدرسة تجنبه: ما فائدة كل هذا؟ وهو السؤال الذي حاولنا الإجابة عليه من منظور بيداغوجي في مقال "أستاذ، ما فائدة هذا الدرس؟"، حيث بينا أن الهدف الخفي لكل درس هو بناء مهارة وليس حفظ معلومة. لكن عندما يطغى الحشو، تختفي المهارة وتبقى المعلومة العابرة.

"نحن نصمم مناهج لتصنيع بنوك معلومات متنقلة في عصر أصبحت فيه المعلومة متاحة بضغطة زر، بدلاً من بناء عقول قادرة على التحليل والابتكار وحل المشكلات."

دراسة صادرة عن اليونسكو تؤكد أن المناهج المثقلة بالمواد تتسبب في إرهاق التلاميذ وتقلل من دافعية التعلم.

هذه الأزمة تدفع مباشرة إلى أحضان "المدرسة الموازية"، أي ظاهرة الدروس الخصوصية. فالأولياء، في محاولة يائسة لإنقاذ أبنائهم من الغرق، يلجؤون إلى هذا الحل الذي يعمق الفوارق الاجتماعية ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص، وفي نفس الوقت، يفرغ القسم الرسمي من قيمته، حيث يصبح مجرد مكان لتمضية الوقت في انتظار درس المساء.

3. البيئة الحاضنة: الاكتظاظ ومعضلة "الرجل الأوركسترا"

تخيل المشهد التالي: قسم يضم 45 تلميذًا، تتراوح أعمارهم بين 11 و 15 سنة بسبب الإعادة. بعضهم لا يفك الخط جيدًا، والبعض الآخر يعاني من مشاكل سلوكية حادة، والبقية ضائعون بين هذا وذاك. في قلب هذه الفوضى يقف أستاذ واحد، مطالب بتطبيق بيداغوجيات حديثة وتقديم الدعم الفردي. هذا ليس مجرد مشهد صعب، بل هو مشهد مستحيل.

الاكتظاظ ليس مجرد رقم، بل هو قاتل لأي محاولة إصلاح جادة. وفي خضم هذه البيئة، تبرز معضلة أخرى تزيد الطين بلة، وهي معضلة "الرجل الأوركسترا"، وتحديدًا أستاذ العلوم الاجتماعية. يُطلب من هذا الأستاذ أن يعزف على ثلاث آلات مختلفة في طبيعتها وأهدافها: التاريخ لبناء الوعي بالماضي، الجغرافيا لبناء الوعي بالمكان، والتربية المدنية لبناء شخصية المواطن الصالح. النتيجة الحتمية هي العزف بشكل سطحي على كل الآلات، وتهميش مادة التربية المدنية التي تعتبر حجر الزاوية في بناء الإنسان، واستنزاف طاقة الأستاذ الذي يجد نفسه مشتتًا بين ثلاثة مناهج ضخمة.

📈 بعض الأرقام الميدانية

  • في الدخول المدرسي 2025/2024، بلغ عدد التلاميذ 11,709,830 على المستوى الوطني.
  • في السنوات الأخيرة، بلغت نسبة التسرب المدرسي في الطور المتوسط 2 ٪، بينما في الطور الابتدائي 0.11 ٪.
  • متوسط عدد التلاميذ في بعض الأقسام في الطور المتوسط: نحو 35 تلميذًا للقسم.
  • تقارير حقوقية تذكر أن حوالي 400,000 طفل قد يهاجرون المدرسة سنوياً في الجزائر، ويرجّح أن الاكتظاظ الفصلي (حتى 48 تلميذًا بالقسم) أحد الأسباب.
  • في 2022/2023، بلغ عدد المدارس الابتدائية المكتظة 3,541 مدرسة، ما يعادل حوالي 17 ٪ من المدارس الابتدائية. 

للمزيد من البيانات الرسمية: الدخول المدرسي 2025/2024 بالأرقام 

4. إشكالية "الفصام اللغوي": عندما تتحول لغة العلم إلى لغة غريبة

من بين أعمق التناقضات التي نعيشها يومياً في منظومتنا التربوية، والتي لا نتحدث عنها بما يكفي من الصراحة، هي مشكلة "الفصام اللغوي". لقد نجحت المدرسة الجزائرية بعد الاستقلال في إعادة الاعتبار للغة العربية، لكنها فرضت فصحى أكاديمية صارمة، ووضعت خطاً أحمر فاصلاً بينها وبين اللغة الحقيقية التي يفكر ويحلم بها أطفالنا: الدارجة.

هذا التشدد، رغم نواياه الوطنية النبيلة، خلق جداراً نفسياً هائلاً لدى التلاميذ. لقد أصبح الطالب يعيش في حالة قلق لغوي دائم؛ فهو يفكر بالدارجة، ويُجبر على "ترجمة" أفكاره إلى فصحى يخشى الخطأ في قواعدها. النتيجة؟ ضعف كارثي في القدرة على التعبير الشفهي، وانعدام الاسترسال، وشعور بالاغتراب عن لغة يفترض أنها لغته الأم. لقد حولنا لغة الضاد من أداة للتعبير الحر إلى عبء ذهني ومصدر للخوف وهي ظاهرة معقدة قمت بتحليلها بالتفصيل في مقالنا المخصص لهذه القضية.

لمعرفة المزيد عن الأسباب العميقة لهذه الظاهرة وحلولها العملية، يمكنكم قراءة مقالنا الكامل: "لماذا تخذلنا الكلمات؟ قصة صراعنا مع التعبير باللغة العربية".

الدواء المقترح: الحل ليس في التخلي عن الفصحى، بل في "الواقعية التربوية". يجب علينا كسر هذا الحاجز عبر السماح بالدمج الواعي والمؤقت للدارجة في السنوات التعليمية الأولى، ليس كغاية، بل كـ"جسر بيداغوجي" آمن، يعبر عليه التلميذ من عالم الألفة (الدارجة) إلى عالم المعرفة (الفصحى) بثقة ودون خوف. إن تمكين المعلم من استخدام لهجة تلاميذه لتبسيط المفاهيم المعقدة ليس تنازلاً، بل هو أرقى درجات الحكمة التربوية التي تضع "الفهم" قبل "القولبة".

المحور الثاني: نقد الحلول الترقيعية - عندما يصبح الدواء أشد مرارة من الداء

أمام هذه المشاكل الهيكلية، لم تكن استجابة المنظومة دائمًا على مستوى التحدي. فبدلاً من معالجة الجذور، تم اللجوء في كثير من الأحيان إلى "حلول ترقيعية" تبدو في ظاهرها إيجابية، لكنها في العمق تزيد الوضع سوءًا. إنها أشبه بوصف مسكنات قوية لمريض يحتاج إلى عملية جراحية عاجلة.

1. قانون الإعادة الإلزامية: صب الزيت على النار

يعتبر قانون عدم طرد التلاميذ قبل بلوغ سن 16 عامًا، والذي فصلنا في آلياته وتحدياته في مقال "لا طرد قبل سن الـ 16.. قرارات جديدة في صالح التلميذ الجزائري"، مثالًا صارخًا على هذه الحلول الترقيعية. من منظور إنساني، يبدو القرار نبيلاً ويهدف إلى محاربة التسرب المدرسي. لكن من منظور بيداغوجي وميداني، هو ليس حلاً، بل "رد فعل" على مشكلة التسرب التي خلقتها الأسباب التي ذكرناها سابقًا.

هذا القانون يعيد التلميذ الفاشل إلى نفس البيئة التي تسببت في فشله: قسم مكتظ، منهاج صعب، وشعور متراكم بالإحباط. الفارق الوحيد هو أنه أصبح الآن أكبر سنًا، وأكثر تمردًا، وربما يشكل خطرًا على زملائه الأصغر سنًا. النتيجة هي تسميم بيئة القسم بفوارق عمرية ونفسية هائلة، وتزايد ملحوظ في العنف والتنمر، وتكريس حلقة الفشل التي كان من المفترض أن يكسرها.

"نحن نجبر تلميذًا على صعود سلم درجاته الأولى مكسورة، وعندما يسقط، نعاقبه بإجباره على صعود نفس السلم المكسور مرة أخرى، بدلاً من أن نبدأ بإصلاح الدرجات الأولى."

2. غياب آليات الردع: الأستاذ "المكبل" والتلميذ "المتمرد"

تتزامن سياسات الإعادة الإلزامية مع تدهور مقلق في المناخ المدرسي. العنف، قلة الانضباط، والتطاول على الأسرة التربوية أصبحت ظواهر يومية تستنزف طاقة الجميع. والمشكلة الأكبر ليست في وجود هذه السلوكيات، بل في الشعور العام بالعجز عن التعامل معها. يجد الأستاذ والإدارة أنفسهم "مكبلين" أمام تلميذ مشاغب، فمجالس التأديب غالبًا ما تكون شكلية، وقراراتها تصطدم بقوانين تمنع الفصل أو بعقوبات غير رادعة.

هذا العجز يرسل رسالتين مدمرتين: رسالة إلى الأستاذ بأنه وحيد في الميدان وعليه أن "يتدبر أمره"، ورسالة أخطر إلى التلميذ المشاغب بأنه "فوق القانون" ولا توجد عواقب حقيقية لأفعاله. النتيجة الحتمية هي انهيار تدريجي لهيبة المؤسسة التعليمية، وتحول الأقسام إلى فضاءات يسودها قانون الأقوى، وليس قانون العلم والاحترام.

✍️ رأي شخصي

أكتب هذا المقال ليس فقط كأستاذ عايش هذه المشاكل يومياً في القسم، بل كولي أمر يعيش قلقاً حقيقياً على مستقبل أبنائه. ما يؤلمني أكثر هو أن نفس الأسئلة التي تطرحها ابنتي اليوم كنت أطرحها أنا قبل عقود، ولم يتغير الكثير. 

من وجهة نظري الشخصية، أرى أن الأزمة التربوية في الجزائر ليست مرتبطة فقط بكثرة التلاميذ أو ثقل المناهج، بل ترتبط أساساً بغياب رؤية إصلاحية متكاملة تضع المتعلم في قلب العملية التعليمية. 

الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى إرادة سياسية واضحة، مشاركة فعلية للمعلمين والأولياء، وجرأة في مراجعة النموذج البيداغوجي بعيداً عن القرارات الظرفية أو الارتجالية. 

الإصلاح ليس ترفا فكرياً أو شعاراً سياسياً، بل هو قضية وجود، لأن المدرسة هي التي تصنع مستقبل الجزائر. إذا لم نجرؤ على اتخاذ قرارات جريئة الآن، فسنجد أنفسنا بعد سنوات نعيد نفس النقاش بنفس العبارات لكن مع جيل آخر فقد الأمل.

منذ سنوات وأنا أقف في الأقسام أراقب النشوء التدريجي لهذا الشعور بـ "اللامعنى" لدى التلاميذ، وهو يتزايد عاماً بعد عام. لا أعتقد أن الحل في تعديل جزئي هنا أو هناك، بل في إعادة بناء من الأساس: أن نعيد الاعتبار للمعلمين، فإنهم ليسوا مجرد “منفذين” لبرنامج ضاغط، بل فاعلون في صناعة المستقبل.

أرى أن البدء بأولويتين متوازيتين هو الأكثر واقعية:

وقف الترقية الآلية في الابتدائي مع تطبيق نظام دعم فعّال لمن يحتاج — لا أن يُرمى في المتوسط بلا أساس. فرمي تلميذ لا يعرف القراءة و لا الكتابة ما بالك بالقدرة على التفكير الى مرحلة التعليم المتوسط هو ظلم للتلميذ قبل ان يكون ظلما للاستاذ.

في أقسام السنة الأولى متوسط، كثيرًا ما أصطدم بتلاميذ لا يستطيعون قراءة جملة واحدة بسيطة أو كتابة بضع كلمات متواصلة. هذا ليس استثناءً نادرًا، بل يتكرر بشكل ملحوظ في عدة أقسام، وهو ما يجعل مهمتي كأستاذ مادة اجتماعية شبه مستحيلة. فكيف نطلب من تلميذ لم يتقن القراءة أن يفهم خريطة جغرافية أو يحلل نصًا تاريخيًا؟

تخفيف جاد للمناهج بحيث يُعاد التركيز على المعرفة العميقة والمهارات لا الحشو. خاصة في مرحلة التعليم الابتدائي.

الوعود والتطبيق: بين الواقع والتصريحات

هناك عدة تصريحات ووعود من وزارة التربية الوطنية في الجزائر بتخفيف المناهج والبرامج، وبعض الإجراءات بدأ يُرصد لها أثر، لكن التنفيذ لا يزال محدودًا وغير شامل. إليك تحليل ممنهج:


ما وُعد وما جرى

  1. تصريحات رسمية: الوزير عبد الحكيم بلعابد أعلن في أبريل 2024 أن الموسم الدراسي 2024-2025 سيشهد الشروع في تخفيف المناهج. البداية من الطور الابتدائي، مع تقليص بعض المواد وتأجيلها، دون المساس بمواد الهوية (العربية، التربية الإسلامية).
  2. مراجعة المناهج والحجم الساعي: تم تشكيل لجنة وطنية ضمن مشروع "جودة التعليم"، وتشمل محاور المناهج وتقنيات التدريس. صرحت الوزارة بأن الحجم الساعي الجديد سيتم تخفيضه على التلاميذ والأساتذة قبل الدخول المدرسي 2025-2026.
  3. الإجراءات التطبيقية الملاحظة: - تخفيف المناهج في السنتين الأولى والثانية ابتدائي.
    - تفعيل المجلس الوطني للبرامج وتحيينه لمراجعة المناهج.

ما لم يُنفذ بعد / ما بقي وعودًا

  • غياب تطبيق شامل للتخفيف في كل الأطوار (خاصة المتوسط والثانوي).
  • استثناء مواد الهوية (العربية، الإسلامية) من التخفيضات مما خلق عدم توازن.
  • لم يُعالج بعد مشكل الحشو النظري والفوارق المعرفية الكبيرة رغم عمل اللجنة الوطنية.
  • بعض الإجراءات لم تتجاوز التصريحات ولم تُطبق بعد بشكل فعلي وعادل.


التخفيف بين التبسيط والسطحية

لا يمكن أن يُفهم تخفيف المناهج على أنه مجرد حذف صفحات أو تقليص الحجم الساعي. فالتحدي الحقيقي هو تحقيق توازن دقيق بين الكم والنوع والعمق. التخفيف الإيجابي يعني إزالة التكرار، تبسيط العرض، التركيز على الكفاءات والمهارات وربط الدروس بحياة التلميذ. بينما التخفيف السلبي يؤدي إلى سطحية المحتوى، حيث تُختصر الدروس إلى عناوين كبرى بلا تحليل أو أمثلة، فيخرج التلميذ بحفظ آلي لا بفهم عميق.

إن أخطر ما قد تواجهه المدرسة هو أن يتحول التخفيف إلى عملية شكلية تُفرغ المناهج من مضمونها، فتُضعف قدرة التلميذ على التفكير النقدي وصناعة المعنى.

مبدأ التخصص

من بين المبادئ التي أعلنتها وزارة التربية الوطنية فكرة تخصيص أساتذة متخصصين لتدريس مادة التربية الإسلامية، وهو توجه إيجابي نحو تحسين جودة التعليم. غير أن هناك مادة أخرى أكثر حاجة إلى التخصص، وهي مادة التربية المدنية. فمن الأفضل تخفيف عبء هذه المادة عن أساتذة الاجتماعيات، والعمل على إنشاء منصب جديد لتدريس "التربية المدنية أو المواطنة" يتكفل به مختصون في علم النفس، علم الاجتماع، أو علوم التربية، حتى يحقق تدريسها الأهداف المرجوة في غرس السلوك المدني والوعي بالمواطنة.



رأيي

الوعود ليست مجرد شعارات بالكامل؛ هناك خطوات واضحة وبدء تنفيذ، خصوصًا في الابتدائي. لكن التنفيذ غير كافٍ حتى الآن، بسبب:

  • البطء الإداري.
  • مقاومة التغيير.
  • ضعف الموارد (تكوين المعلمين، تحديث الكتب، الوسائل التعليمية، الدعم اللوجستي).

قد يقول قائل: "لكن الإصلاحات البُعدية صعبة التنفيذ"، أقول: التردد في البدء هو الكارثة الحقيقية. أفضّل أن تُفشل خطوة جريئة من أن نبقى أسير كلمات رنانة دون فعل.

الخاتمة: خريطة طريق للإصلاح - 4 قرارات جريئة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه

إن تشخيص الداء دون وصف الدواء هو مجرد جلد للذات لا طائل منه. الإصلاح ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب شجاعة سياسية وجرأة تربوية تتجاوز الحلول الترقيعية وتتوجه مباشرة إلى جذور المشكلة. خريطة الطريق التي أقترحها، من وحي تجربة ميدانية طويلة، تبدأ من أربع قرارات هيكلية مترابطة، لا يمكن لأحدها أن ينجح دون الآخر.

  1. على مستوى التأسيس (الحل الجذري): "وقف الترقية الآلية في الابتدائي". يجب أن تكون هذه هي الأولوية القصوى. إعادة السلطة والمصداقية الكاملة لتقييم أستاذ التعليم الابتدائي، مع توفير أقسام خاصة للدعم أو إعادة التوجيه المبكر لمن يحتاجه. لا يجب أن ينتقل إلى الطور المتوسط إلا التلميذ الذي يمتلك الحد الأدنى المقبول من الكفاءات الأساسية. هذا القرار وحده كفيل بتجفيف منابع الفشل المدرسي من المنبع.
  2. على مستوى المناهج (الحل الفكري): "تخفيف جذري للمناهج والتركيز على الكفاءات". يجب تشكيل لجان من خبراء وممارسين ميدانيين (أساتذة ومفتشين) لإجراء "حمية" جذرية للمناهج، وحذف كل الحشو النظري غير الضروري. يجب أن ننتقل من سؤال "كم من المعلومات حفظ التلميذ؟" إلى سؤال "ماذا يستطيع التلميذ أن يفعل بما تعلمه؟". هذا يعني التركيز على المهارات العليا كالتفكير النقدي، حل المشكلات، والإبداع.
  3. على مستوى الهيكلة (الحل التنظيمي): "فصل مادة التربية المدنية في منصب متخصص". كخطوة رمزية وعملية في آن واحد، يجب تخفيف العبء عن "الرجل الأوركسترا". استحداث منصب "أستاذ التربية على المواطنة" بتكوين متخصص (قانوني، اجتماعي) سيعطي لهذه المادة الحيوية حقها، ويسمح لأستاذ التاريخ والجغرافيا بالتعمق في مادته، مما يرفع من جودة التعليم في ثلاثة مجالات دفعة واحدة.
  4. على مستوى الانضباط (الحل العملي): "وضع مدونة سلوك وطنية واضحة مع آليات تطبيق حازمة". يجب وضع إطار قانوني واضح وصارم لإدارة السلوك داخل المؤسسات. مدونة تحدد بوضوح حقوق وواجبات كل طرف، وتضع سلّمًا واضحًا ومتدرجًا للعقوبات، وتمنح مجالس التأديب السلطة الحقيقية لتطبيقها دون تردد، مع إشراك إلزامي لولي الأمر في تحمل مسؤولية سلوك ابنه. يجب أن تعود للمدرسة هيبتها، وأن يشعر الجميع بأن السلامة والاحترام خط أحمر.
📌 إصلاح التعليم ليس رفاهية نؤجلها، بل معركة وجود تحدد مصير أمة كاملة.

دعوة صريحة للحوار

أدعو القارئ العزيز، سواء أكنت أستاذًا، ولي أمر، أو مهتمًا بالشأن التربوي، أن يشارك برأيه في النقاط التالية:

  • هل تُؤيّد وقف الترقية الآلية في التعليم الابتدائي كما أقترحت؟ وإذا نعم، فما البدائل التي تراها مناسبة لتنفيذ ذلك؟
  • أم ترى أن الأولوية هي لتخفيف المناهج أولًا، بحيث تُزال الحشو النظري الزائد؟ وكيف يمكن تحقيق ذلك على أرض الواقع؟

لننطلق معًا في حوار بنّاء وصادق، فقد يكون صوتنا الموحد بداية لتحول فعلي في المنظومة.

دعوة للعمل: إن إصلاح التعليم ليس مسؤولية الوزارة وحدها، بل هو معركة مجتمع بأكمله. إنه مسؤوليتنا جميعًا كأساتذة، أولياء أمور، إداريين، وكمواطنين غيورين على مستقبل هذا الوطن. أدعو كل من يقرأ هذه الكلمات إلى المشاركة في هذا النقاش. ما هي النقطة التي تؤرقكم أكثر في هذه المنظومة؟ وما هو القرار الأهم الذي تعتقدون أنه يجب أن نبدأ به فورًا؟ لنفتح الحوار بصدق وشجاعة، لعل صوتنا الموحد من الميدان يصل إلى من يهمه الأمر، ويؤسس لميثاق وطني حقيقي لإنقاذ مدرستنا.

ومثال حي على التحديات الجديدة التي تختبر قدرة منظومتنا على التكيف هو انتشار الذكاء الاصطناعي في أقسامنا. لقد ناقشنا هذه الظاهرة بالتفصيل وقدمنا استراتيجيات عملية للتعامل معها في مقالنا: الذكاء الاصطناعي في أقسامنا: هل نطفئ الشعلة أم نوجهها؟.

📚 مصادر وقراءات إضافية

محمد بوداني
محمد بوداني
أستاذ متخصص في التاريخ والجغرافيا بخبرة تزيد عن 22 عامًا في ميدان التعليم. مؤلف كتاب "مصباح: أضئ عقلك وحول التعلم إلى مغامرة"، ومؤسس مدونة Taalim Hub ومجتمع مصباح. شغفي هو تبسيط العلوم وجعل التعلم رحلة ممتعة وملهمة. أشارك هنا استراتيجيات عملية وتقنيات حديثة لمساعدة الطلاب وأولياء أمورهم على تحقيق النجاح الدراسي وبناء مستقبل مشرق.
تعليقات