يطرح كثير من الأولياء والأساتذة سؤالًا متكررًا: لماذا يكره التلاميذ الدراسة؟ غالبًا ما تُقدَّم إجابات جاهزة مثل الكسل أو تأثير الهاتف، لكن هذه التفسيرات تتج اهل عاملًا حاسمًا في التعلم: الدافع.
هل كراهية الدراسة دليل على كسل التلميذ؟
لو كان النفور من الدراسة ناتجًا عن الكسل فقط، لما رأينا التلميذ يبذل جهدًا وتركيزًا كبيرين في ألعاب معقدة أو أنشطة خارج المدرسة. المشكلة ليست في القدرة على التعلم، بل في غياب الدافع داخل السياق المدرسي.
الدافع: لماذا لا يتعلم الدماغ دون معنى؟
الدماغ البشري لا يعمل بلا سبب. هو لا يستثمر طاقته إلا فيما يراه ذا قيمة أو فائدة. عندما لا يفهم التلميذ لماذا يتعلم درسًا ما، ينسحب انتباهه تلقائيًا، حتى لو كان حاضرًا جسديًا في القسم، وقد خصصنا في كتاب مصباح فصلًا كاملًا حول الدافعية، موضحًا فيه الفرق بين الدافعية الداخلية، المرتبطة بالفضول والرغبة الشخصية في الفهم، والدافعية الخارجية، المرتبطة بالمكافآت أو العقاب. ويؤكد مصباح أن التعلّم الحقيقي يحدث عندما يجد المتعلم الدافع والمعنى في ما يدرس، أي عندما يشعر بأن المعرفة تخدمه وتتيح له تفسير العالم وفهمه، وليس مجرد حفظ للمعلومات من أجل الامتحان، مؤكّدًا أن غياب الدافع يحوّل أي نشاط تعليمي إلى عبء لا معنى له.
كيف تقتل المدرسة الدافع دون أن تشعر؟
التعلم من أجل الاختبار فقط
عندما يُختزل التعلم في النجاح في الاختبار، يتحول إلى حفظ مؤقت بلا معنى. ينجح التلميذ، لكنه لا يشعر أن ما تعلمه يخصه أو يفيده.
الخوف بدل الفضول
التهديد بالنقطة أو بالعقاب قد يدفع إلى الحفظ، لكنه يربط التعلم بالتوتر. ومع الوقت، تصبح الدراسة مصدر ضغط لا فضول.
الإحساس المتكرر بالفشل
التلميذ الذي لا يفهم، ولا يرى تقديرًا لجهده، يبني قناعة داخلية بأنه غير قادر على التعلم، فيتحول فقدان الدافع إلى رفض للدراسة نفسها.
هل يمكن فرض الدافع على التلميذ؟
قد يُقال إن الحياة لا تقوم على الدافع، وإن على التلميذ أن يتعلم الانضباط. لكن الانضباط بلا معنى لا يدوم. ما يدوم هو التعلم الذي يشعر فيه المتعلم أن ما يتعلمه يضيف إليه ويفهم به العالم.
كيف نعيد الدافع إلى التعلم؟
إعادة الدافع لا تعني الترفيه أو التبسيط المفرط، بل تعني إعطاء معنى لما يُدرَّس، وربط المعرفة بالسؤال والفهم والتجربة. عندما يجد التلميذ سببًا للتعلم، يعود الانتباه ويصبح الفهم ممكنًا.
خلاصة: التلاميذ لا يكرهون التعلم، بل يكرهون فقدان المعنى
كراهية التلاميذ للدراسة ليست عداءً للمعرفة، بل رد فعل طبيعي على تعليم لا يخاطب الدافع. وحين يُستعاد المعنى، يتحول التعلم من عبء ثقيل إلى فعل إنساني طبيعي.
