انشغل الإنسان منذ أقدم العصور بمحاولة فهم نفسه: لماذا يفكر كما يفكر، ولماذا يتصرف كما يتصرف، وما الذي يوجّه اختياراته اليومية. ومع تطور العلوم، تبيّن أن الإنسان لا يتعامل مع الواقع كما هو، بل كما يُعاد بناؤه داخل دماغه، تحت تأثير دوافعه وانفعالاته وخبراته السابقة. هذه الحقيقة تحمل نتائج عميقة حين نضعها في سياق التعليم.
التعليم بين نقل المعرفة وبناء التعلم الحقيقي
في الممارسة المدرسية الشائعة، يُعامَل التلميذ كوعاء معرفي تُنقل إليه المعلومات، ويُفترض أنه سيتعلم بمجرد الاستماع والحفظ. غير أن الواقع الصفي يكشف فجوة واضحة بين ما يُدرَّس وما يُفهم، فجوة لا تعود بالضرورة إلى ضعف التلميذ أو المنهاج، بل إلى تجاهل الكيفية التي يعمل بها الدماغ أثناء التعلم.
كيف يحدد الدماغ ما يتعلمه التلميذ؟
الانتباه: بوابة التعلم الأولى
الدماغ لا يعالج كل ما يُقدَّم له، بل ينتقي ما يراه ذا قيمة أو معنى. الانتباه آلية عصبية حساسة للدافع والسياق، وعندما لا يدرك التلميذ سبب التعلم أو علاقته بحياته، ينصرف انتباهه تلقائيًا مهما كانت جودة الشرح.
الذاكرة: من الحفظ المؤقت إلى الفهم الدائم
لا يكتمل التعلم بمجرد استقبال المعلومة، بل ببنائها داخل الذاكرة على أساس الفهم. الذاكرة العاملة محدودة، وتنهك سريعًا عند تقديم معلومات مجرّدة أو مفككة، مما يفسر لماذا ينتج الحفظ الآلي معرفة هشة تزول بعد الاختبار.
العاطفة: العامل الخفي في نجاح أو فشل التعلم
العاطفة تحدد حالة الدماغ أثناء التعلم. فالخوف والتوتر يضعان الدماغ في وضعية دفاعية تقلّ فيها القدرة على التفكير، بينما الإحساس بالأمان والتقدير يفتح مسارات التعلم ويشجع على الفهم والمبادرة.
الدافع: المحرك العميق للتعلم
الدافع يمنح التعلم معنى واتجاهًا. فالدماغ لا يستثمر طاقته إلا فيما يراه مهمًا أو ذا جدوى، وحين يفهم التلميذ لماذا يتعلم، يتحسن انتباهه، وتتعمق معالجته، وتترسخ معرفته.
هل مهمة المدرسة نقل المعارف فقط؟
قد يُعترض على هذا التصور بالقول إن دور المدرسة هو نقل المعرفة لا مراعاة الفروق العصبية والنفسية. غير أن الواقع يثبت أن نقل المعرفة دون مراعاة شروط التعلم لا يؤدي إلى امتلاكها، بل ينتج نجاحًا شكليًا قائمًا على الحفظ المؤقت.
من التلقين إلى بناء المعنى في التعليم
المشكلة ليست في نقص المحتوى، بل في تصورنا للتعلم نفسه. عندما يُبنى التعليم على فهم عمل الدماغ ودوافع المتعلم، ينتقل من التلقين إلى بناء المعنى، ومن الحفظ المؤقت إلى الفهم العميق القابل للاستعمال.
خلاصة: نحو تعليم يراعي الدماغ والدوافع
التعليم الفعّال لا يبدأ من الكتاب ولا ينتهي عند الاختبار، بل يمر عبر دماغ التلميذ، ودوافعه، وتصوره للعالم. ومن دون هذا الوعي، قد ندرّس سنوات طويلة دون أن نُعلِّم حقًا.
