بينما كنت أجول بين مقاعدكم في القسم، لفت انتباهي مشهد يتكرر كثيراً؛ طالب يفتح كراساً قديماً يعود لأخيه الأكبر أو لصديق من السنة الماضية، وينقل منه الدرس ليستخدمه في المشاركة و الاجابة على اسئلة الاستاذ و ليوهمه بانه يفهم الدرس. في تلك اللحظة، سألت نفسي: هل يظن هذا البطل أنه هكذا "يُحضر" الدرس؟
عزيزي التلميذ، إذا كنت تعتقد أن ملء الصفحات بالحبر هو تخضير للدرس ومفتاح لفهمه، فدعني أخبرك بخبر قد يصدمك: أنت لا تحضر دروسك، أنت تمارس "تمرين خط" فقط! فما هو التحضير الحقيقي الذي يجعلك تتربع على عرش المتفوقين؟
فخ "الكراريس القديمة": لماذا النسخ ليس تحضيراً؟
من واقع تجربتي في التدريس لسنوات، أدركت أن الكثير من الطلاب يقعون في وهم يسمى "إنجاز المهام". يعتقد الطالب أنه بنقل محتوى كراس قديم، قد وفّر على نفسه عناء التفكير أثناء الحصة. لكن الحقيقة العلمية تقول إن الدماغ يتوقف عن التعلم بمجرد دخوله في وضع "النقل الآلي".
من واقع خبرتي في التدريس، أؤكد لك أن التحضير هو عملية ذهنية وليس عملية كتابية. عندما تنقل درساً لم تسمعه بعد، فإن دماغك يعمل في وضعية "الإغلاق"؛ع فندما تنسخ درساً لم تسمع شرحه بعد، فأنت تتعامل مع "رموز صماء". عقلك لا يربط بين المفاهيم، بل يركز فقط على رسم الحروف بشكل صحيح. وهذا يؤدي إلى نتائج عكسية:
- فقدان عنصر الدهشة: عندما يشرح المعلم، ستشعر بالملل لأن "المكتوب أمامك" يوهمك بأنك تعرف المعلومة، بينما أنت في الحقيقة لا تفهم "جوهرها".
- تثبيت الأخطاء: قد تنقل خطأً إملائياً أو علمياً من الكراس القديم دون أن تدرك.
- تبديد الجهد: الوقت الذي قضيتَه في النقل كان أولى به أن يُقضى في القراءة الاستكشافية.
🔬 ماذا يقول العلم عن "النقل الآلي"؟
تشير أبحاث من مركز "بوك" لجامعة هارفارد حول التعلم النشط إلى أن الدماغ يتجاهل المعلومات التي يتم استقبالها دون معالجة ذهنية. فعندما تقوم بنقل الكلمات من كراس قديم، يعمل دماغك في حالة "الخمول"، بينما تظهر الدراسات أن "التحضير الاستكشافي" (Pre-reading) الذي يتضمن التنبؤ بمحتوى الدرس يرفع قدرة الطالب على استرجاع المعلومات بنسبة تتجاوز 50% في الاختبارات اللاحقة مقارنة بالنقل السلبي.
التحضير رحلة استكشافية لا عملية كتابة
التحضير القبلي الصحيح هو "مسح أولي" للأرض التي ستبني عليها معلوماتك. الادعاء التربوي الذي أتبناه هو: إن التحضير الذي لا يولد أسئلة في ذهنك هو تحضير فاشل. الهدف ليس أن تأتي بدرس جاهز، بل أن تأتي بعقل "جائع" للمعلومات.
الدليل التربوي: قوة التوقع
تثبت الدراسات التربوية (بناءً على أرقام تقريبية من تجارب التعلم النشط) أن الطالب الذي يلقي نظرة لمدة 10 دقائق على عناوين الدرس وصوره قبل الحصة، تزداد نسبة استيعابه لشرح المعلم بمعدل 40% إلى 60% مقارنة بزميله الذي يدخل الفصل دون أدنى فكرة عما سيُقال. لماذا؟ لأن الدماغ يبني "خطافات" (Hooks) ذهنية جاهزة لاستقبال المعلومات الجديدة.
"لكنني أوفر الوقت في الكتابة!"
قد يقول لي طالب ذكي: "يا أستاذ، أنا أنقل الدرس لكي أركز معك في الشرح بدلاً من الانشغال بالكتابة أثناء الحصة". هذا اعتراض منطقي، لكن الرد عليه بسيط ومحوري:
التركيز ليس "استماعاً" فقط، بل هو "تفاعل". عندما تكتب مع المعلم (أو تدون ملاحظاتك خلفه)، فأنت تشارك في بناء الدرس. أما وجود الدرس جاهزاً أمامك، فإنه غالباً ما يدفعك للاسترخاء الذهني، وربما الانشغال بالحديث مع زميلك أو السرحان، لأنك تضمن أن "المادة العلمية موجودة فعلياً في كراسك". العبرة بما في الرأس، لا بما في الكراس!
الخطة الذهبية للتحضير الفعال (5 خطوات)
- القراءة السريعة (Skimming): اقرأ العنوان الرئيسي والعناوين الجانبية فقط، امنح عقلك "خريطة" لما سيتم دراسته
- تأمل الصور والرسوم: تصفح العناوين والرسوم، غالباً ما تلخص الصور 50% من محتوى الدرس. حاول فهم ما تعبر عنه.
- قاعدة "ماذا أعرف؟": اسأل نفسك: ماذا أعرف مسبقاً عن هذا الموضوع؟ (ربط بالخبرات السابقة). و استخرج الكلمات المفتاحية بحدد المصطلحات الجديدة التي لا تعرف معناها.
- صناعة الأسئلة: حول العناوين إلى أسئلة. مثلاً إذا كان العنوان "التبخر"، اسأل: "لماذا يتبخر الماء؟ وهل للحرارة دور؟".
- تحديد الصعوبات: ضع خطاً تحت الكلمات الغامضة لتسأل عنها المعلم فور بدايته في الشرح.
🧠 سر "الفجوة المعرفية" وقوة التساؤل
هل تعلم لماذا نطلب منك طرح أسئلة أثناء التحضير؟ في علم النفس التربوي، يؤكد الباحثون في الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) أن الدماغ عندما يواجه سؤالاً لا يعرف إجابته، يفرز مادة "الدوبامين" التي تزيد من حدة التركيز. لذا، عندما تدخل الحصة وأنت تبحث عن إجابة لسؤال وضعته بنفسك، فإنك تتعلم أسرع بمرتين من زميلك الذي نقل الإجابة جاهزة في كراسه دون أن يدرك معناها.
🚀 هل تريد احتراف مهارة التميز الحقيقية؟
إن إتقانك لفن التحضير القبلي بذكاء هو الخطوة الأولى والأساسية نحو التعلم الذاتي. عندما تتعلم كيف تسبق شرح المعلم وتكتشف المعلومة بنفسك، فأنت لا تنجح في مادة واحدة فقط، بل تضع قدمك على أول طريق النجاح في الحياة.
اقرأ المقال كاملاً من هنامقارنة بين نوعين من التحضير
| وجه المقارنة | التحضير بـ "النقل" | التحضير بـ "الاستكشاف" |
|---|---|---|
| النشاط الذهني | خامل (عضلات اليد فقط) | نشط (تفكير وتوقع) |
| الهدف | التخلص من واجب الكتابة | تسهيل فهم الشرح |
| النتيجة في الاختبار | نسيان سريع للمعلومات | تثبيت طويل الأمد للمفاهيم |
أسئلة يتكرر طرحها
هل يعني هذا ألا أكتب الدرس أبداً قبل الحصة؟
لا مانع من كتابة "رؤوس أقلام" أو "خارطة مفاهيم"، لكن نقل الدرس كاملاً من كراس قديم دون قراءة واعية هو السلوك الخاطئ الذي نحذر منه.
كم يستغرق التحضير الصحيح من الوقت؟
للمرحلة الإعدادية والثانوية، يكفي من 10 إلى 15 دقيقة لكل مادة. الجودة في "كيف تفكر" لا في "كم تقرأ".
ماذا لو وجدت الدرس صعباً جداً ولم أفهمه أثناء التحضير؟
هذا رائع! تحديد ما "لا تفهمه" هو نصف التحضير. اذهب للحصة واطلب من المعلم توضيح هذه النقطة تحديداً، وستجد أنك أكثر انتباهاً من غيرك.
🌍 التحضير كمهارة عالمية (PISA)
إن القدرة على التحضير الواعي ليست مجرد نصيحة مدرسية، بل هي معيار أساسي في تقييمات برنامج PISA العالمي. تظهر نتائج هذه التقييمات الدولية أن الطلاب المتفوقين هم أولئك الذين يمتلكون مهارات "ما وراء المعرفة" (Metacognition)، أي القدرة على التخطيط لتعلمهم وفهم أهداف الدرس مسبقاً، بدلاً من الاعتماد الكلي على التلقين أو نسخ مجهود الآخرين.
خلاصة تربوية
تذكر يا بني أن العلم "صيد" والكتابة "قيد"، لكنك لا تستطيع قيد صيدٍ لم تمسكه بعد! التحضير هو رحلة المطاردة التي تجعل المعلومة ملكاً لك وحدك. توقف عن كونك "آلة طابعة" بشرية، وابدأ في كونك "باحثاً صغيراً". مستقبلك يبدأ من طريقة إعدادك لليوم.
جرب غداً أن تحضر درساً واحداً بطريقة الأسئلة، وأخبرني بالفرق في شعورك أثناء الحصة!