📁 آخر المقالات

حين تتوقف الروح عن المقاومة: هل يحمل سر الموت مفتاح النجاح الدراسي؟


هل نموت حقًا حين نستسلم؟

متى يموت الإنسان؟ قد يبدو السؤال بسيطًا، وإجابته واضحة تقع في دفاتر الأطباء وشهادات الوفاة: "حين تتوقف وظائف الجسم الحيوية". لكن هذا التعريف البيولوجي، على دقته، يظل قشرة خارجية لسؤال أعمق وأكثر تعقيدًا يرافق البشرية منذ فجر وعيها. إنه سؤال لا يتعلق فقط بالجسد، بل بالروح والإرادة والمعنى.

لكن ماذا لو كان هذا السؤال هو نفسه المفتاح لفهم لغز آخر يؤرقنا كآباء ومعلمين: متى "يموت" شغف الطالب؟

في مدونة "مصباح"، نحن نبحث دائمًا عن "الوقود" الذي يضيء العقول. واليوم، سنقوم برحلة غير متوقعة. سنستكشف أحلك صور الاستسلام الإنساني لنجد فيها الضوء الذي نحتاجه لفهم أسباب الفشل الدراسي، وكيفية إشعال دافعية أبنائنا من جديد. فالعلاقة بينهما أقوى مما تتخيل.

الاستسلام الأكبر: حين تأذن الروح بالرحيل

في حياتنا اليومية، نشهد الموت في صور متعددة. هناك الموت الدخيل، الذي يقتحم حياة شخص مفعم بالحيوية والصحة على حين غرة، كضحية حادث مرور. هنا، يكون الموت قوة خارجية غاشمة، تسلب الحياة دون استئذان، وتتركنا أمام حقيقة هشاشتنا وعجزنا عن التحكم في المصير. وهناك الموت المفاجئ، الذي يضرب كالصاعقة نتيجة خلل داخلي، كسكتة قلبية أو دماغية، ليؤكد أن أجسادنا آلات معقدة قد تتعطل دون سابق إنذار.

لكن، هناك سيناريو ثالث، وهو الأكثر إثارة للتأمل الفلسفي، والذي لاحظته في تجربة شخصية ومؤثرة: ماذا عن أولئك الذين يبدو أنهم "يأذنون" للموت بالدخول؟ أولئك الذين بعد صراع طويل مع المرض، أو بعد سلسلة من الخسارات الموجعة، يصلون إلى حالة من الاستسلام الهادئ، وتتوقف في داخلهم الرغبة في المقاومة و تتوقف الرغبة في الحياة.

إرادة الحياة: محرك الوجود الصامت

لكي نفهم فكرة الاستسلام، يجب أولاً أن نعترف بوجود نقيضها: إرادة الحياة (The Will to Live). هذه ليست مجرد فكرة إيجابية أو شعار تحفيزي، بل هي قوة غريزية جبارة، محرك داخلي يعمل في صمت، يدفعنا للتنفس، للأكل، للبحث عن الدفء، وللمقاومة حين يهاجمنا المرض. إنها القوة التي تجعل الجسد يتمسك بالحياة حتى في أقصى الظروف.

هذه الإرادة ليست مجرد قرار واعٍ، بل هي طاقة نفسية وجسدية متجذرة فينا. الأطباء والممرضون في أجنحة العناية المركزة يشهدون هذه الحقيقة يوميًا؛ يرون مرضى تتحدى أجسادهم كل التوقعات الطبية، مدفوعين بقوة خفية لا يمكن قياسها بالأجهزة. هذه القوة هي ما يعطي للحياة زخمها، وهي الوقود الذي يجعلنا ننهض كل صباح لمواجهة تحديات جديدة.

فعل الاستسلام: حين نفقد الرغبة  في الحياة

ما يحدث عندما يستسلم الإنسان ليس مجرد تعب جسدي، بل هو تحول أعمق. إنه اللحظة التي ينطفئ فيها محرك "إرادة الحياة". هذا الاستسلام ليس بالضرورة فعل يأس صاخب، بل قد يكون قبولًا هادئًا بأن الرحلة قد وصلت إلى نهايتها. يبدو الأمر كما لو أن الروح، بعد أن أدت دورها وخاضت معاركها، تقرر أخيرًا أن الوقت قد حان للراحة.

وهنا نلامس ما أصبح يُعرف علميًا بـ "الموت النفسي المنشأ" (Psychogenic Death)، حيث يمكن للصدمة النفسية الشديدة أو اليأس المطلق أن يؤدي إلى تدهور جسدي سريع ينتهي بالوفاة. يؤكد هذا المفهوم أن الرابط بين العقل والجسد ليس مجرد فرضية، بل حقيقة قوية. وقد لاحظ الباحثون أن هذا الاستسلام يمر بمراحل متتالية يمكن تمييزها:

  1. الانسحاب الاجتماعي: يبدأ الشخص بالانعزال عمن حوله، ويفقد اهتمامه بالتفاعل الاجتماعي الذي كان جزءًا من حياته.
  2. اللامبالاة العميقة: يفقد الشخص الحافز لأي نشاط، ويهمل العناية بنفسه، ويظهر عليه خمول عاطفي واضح.
  3. فقدان الإرادة (Aboulia): يصل إلى مرحلة العجز عن اتخاذ أبسط القرارات، ويشعر بأن عقله "فارغ" من أي دافع أو رغبة.
  4. الجمود الحركي النفسي (Akinesia): يصبح الشخص واعيًا لكنه في حالة خمول جسدي شديد، فلا يستجيب للمؤثرات الخارجية كالألم أو اللمس.
  5. الموت النفسي: وهي المرحلة النهائية التي تتوقف فيها إرادة الحياة تمامًا، وكأن الجسد تلقى إشارة من العقل بالتوقف، فتتداعى وظائفه الحيوية دون سبب عضوي واضح.

السبب الجذري لكل هذا؟ هو فقدان "السبب" أو الـ "لماذا". لقد اختفى الوقود الذي كان يدفع هذا الإنسان للاستمرار.

في هذه الحالة، لا يكون الموت دخيلاً، بل ضيفًا تم القبول به. لم يعد الجسد يقاوم، لأن الإرادة التي كانت تقود المقاومة قد توقفت.

من الموت الحقيقي إلى "الموت الدراسي": نفس السبب، نتائج مختلفة

الآن، دعنا ننتقل من هذا المفهوم القوي إلى فصولنا الدراسية. إن ما يحدث للطالب الذي يفقد شغفه فجأة، والذي نراه يستسلم لنتائجه الضعيفة رغم ذكائه، ليس إلا نسخة مصغرة من "الموت النفسي". يمكننا أن نطلق عليه "الموت الدراسي".

فالتلميذ الذي لا يمتلك رغبة في الدراسة هو تمامًا كالإنسان الذي لا يمتلك رغبة في الحياة. كلاهما فقد الوقود، كلاهما لم يعد يرى جدوى من المقاومة.

دعونا نلتقي بـ "لينا"، بطلة القصة في كتابي "مصباح". "لينا" فتاة ذكية، لكنها كانت تشعر بملل قاتل كلما فتحت كتاب الاجتماعيات. لم تكن مشكلتها في "القدرة" على الحفظ، بل في أزمة "معنى". كان عقلها يرفض المشاركة في رحلة لا يرى لها وجهة، تمامًا كالجسد الذي يرفض الاستمرار في حياة لا يرى لها هدفًا.

وقود الحلوى أم المفاعل النووي: تشخيص سبب الاستسلام الدراسي

في الفصل الثاني من كتاب "مصباح"، بعنوان "وقود المغامرة: العثور على 'لماذا' التي تشعل حماسك"، أوضح أن معظم التلاميذ، مثل "لينا"، يحاولون تشغيل محركاتهم بوقود رديء:

  • الوقود الخارجي (وقود الحلوى): هو دافع سريع الاشتعال ولكنه لا يدوم. أمثلته: الحصول على علامة جيدة، نيل رضا الوالدين، أو تجنب العقاب. هذا الوقود يجعل الطالب يعتمد على عوامل خارجية، وحين تختفي هذه العوامل، "يموت" حماسه فجأة.
  • الوقود الداخلي (وقود المفاعل النووي): هو طاقة هائلة ومستدامة تنبع من الداخل. أمثلتها: الفضول الخالص، الرغبة في التطور، وربط ما تتعلمه بهدف أسمى. هذا هو الوقود الذي يحمي من "الموت الدراسي".

كانت "لينا"، ومعظم التلاميذ المستسلمين، يعانون من فراغ في خزان الوقود الداخلي. كانوا يعملون بوقود خارجي، وعندما نفد، توقف المحرك.

إعادة إشعال المحرك: أداة "الحفر بـ 'لماذا؟'"

إن استسلام الطالب ليس نهاية الطريق. تمامًا كما أن "الموت النفسي" يمكن علاجه بالتدخل الصحيح، يمكننا إعادة إحياء "الموت الدراسي" بتزويد الطالب بالأدوات اللازمة ليكتشف وقوده الداخلي. الأداة الأقوى لتحقيق ذلك هي "الحفر بـ 'لماذا؟'".

تخيل طالبًا يكره دراسة التاريخ ويقول: "يجب أن أدرس لأنجح". لنحفر معًا:

لماذا تريد أن تنجح؟ "لأحصل على معدل جيد وأدخل كلية الحقوق".
ولماذا تريد أن تدخل كلية الحقوق؟ "لأني أريد أن أصبح محاميًا".
ولماذا تريد أن تصبح محاميًا؟ "لأدافع عن حقوق الناس وأساعد المظلومين".
ولماذا يهمك أن تساعد المظلومين؟ "لأني أؤمن بالعدالة، وأشعر بغضب عندما أرى الظلم، وأريد أن أكون صوتًا لمن لا صوت له".

في هذه اللحظة، يحدث السحر. لم تعد الدراسة واجبًا مملًا، بل أصبحت تدريبًا لمحارب من أجل العدالة. المهمة لم تتغير، لكن "الوقود" تغير تمامًا. لقد وجدنا "المفاعل النووي" الذي سيقضي على أي فرصة "للموت الدراسي".

رسالة إلى المرشدين: أنتم صانعو الوقود

إلى الآباء والمعلمين، مهمتكم الحقيقية ليست استخدام "العصا والجزرة". هذه الأدوات لا تملأ سوى خزان "وقود الحلوى" سريع النفاد. مهمتكم هي مساعدة أبنائكم على اكتشاف "لماذا" الخاصة بهم. اسألوهم أسئلة تربط بين ما يتعلمونه وحياتهم وأحلامهم. عندما يجدون المعنى، سيجدون الوقود الذي لا ينضب.

خاتمة: إرادة الحياة وإرادة التعلم وجهان لعملة واحدة

نعود لسؤالنا الأول: متى يموت الإنسان؟ الإجابة الأعمق هي: عندما يفقد "لماذا" الخاصة به. وكذلك الطالب، فإنه "يموت دراسيًا" عندما يفقد "لماذا" التي تجعل من التعلم مغامرة ذات معنى. إن إرادة الحياة وإرادة التعلم تنبعان من نفس المصدر: وجود سبب قوي يدفعنا للاستمرار.

مهمتنا كمربين ليست فقط منع الموت الدراسي، بل هي إضاءة مصباح الوقود الداخلي في قلب كل طالب، ليظل متوهجًا في وجه كل التحديات، ويحول كل درس إلى خطوة في رحلة تحقيق ذاته.

محمد بوداني
محمد بوداني
أستاذ متخصص في التاريخ والجغرافيا بخبرة تزيد عن 22 عامًا في ميدان التعليم. مؤلف كتاب "مصباح: أضئ عقلك وحول التعلم إلى مغامرة"، ومؤسس مدونة Taalim Hub ومجتمع مصباح. شغفي هو تبسيط العلوم وجعل التعلم رحلة ممتعة وملهمة. أشارك هنا استراتيجيات عملية وتقنيات حديثة لمساعدة الطلاب وأولياء أمورهم على تحقيق النجاح الدراسي وبناء مستقبل مشرق.
تعليقات