📁 آخر المقالات

هل التلميذ الجيد في الحفظ هو نفسه التلميذ الذكي؟

كثيراً ما نعود إلى نفس النقطة مع التلاميذ، خاصة النجباء والحريصين منهم: هل التلميذ الجيد هو فقط من يحفظ الدروس ويسترجع المعلومات؟ 
هذا السؤال يطرحه العديد من التلاميذ وأولياء الأمور، وغالباً ما يعتقد البعض أن التفوق يعني الحفظ فقط، لكن الواقع يُثبت أن التعليم الحديث يسعى إلى شيء مختلف تماماً.
التعليم الحديث يطرح سؤالاً أعمق: ما قيمة المعرفة إن لم نتمكن من استخدامها؟ لنكن صريحين: إذا كان التلميذ لا يستطيع توظيف ما حفظه في وضعية جديدة، فكل ذلك الحفظ يصبح بلا قيمة حقيقية. الهدف اليوم هو الانتقال من "تلميذ يحفظ" إلى "تلميذ يفكر ويبتكر".

الحفظ ليس نهاية المطاف

التعليم اليوم لم يعد يقف عند حدود الحفظ والاسترجاع، بل يهدف إلى بناء تلميذ قادر على الفهم العميق، والتفكير النقدي، والابتكار، وحل المشكلات الواقعية. نحن نريد أن يخرج التلميذ من قاعة الدرس وهو لا يملك فقط معلومات محفوظة، بل يمتلك مهارات منهجية يستطيع من خلالها استخدام هذه المعارف في مواقف جديدة وواقعية.

مثال من الحصة: التنوع الثقافي

في درس عن التنوع الثقافي، درّستُ التلاميذ تعريف التنوع، مظاهره، وأهميته. لكن في الفرض، طرحتُ عليهم سؤالاً مختلفاً: "كطالب في المؤسسة، اقترح نشاطاً يعزز التنوع الثقافي في المدرسة". 

لم نتطرق لهذا السؤال في الدرس، وقد سألني بعض التلاميذ: "لكن هذا لم ندرسه؟!". فوضّحت لهم أن الهدف ليس فقط الحفظ، بل القدرة على التفكير في حلول مبتكرة. 

سألتهم: "لو أُعلن يوم للتنوع الثقافي في المدرسة، هل سنبقى دون فعل شيء؟ طبعاً لا! إذن، ما هي الأنشطة التي يمكن أن تقترحها لتدعم بها التنوع الثقافي؟". 

الهدف لم يكن اختبار الذاكرة، بل إطلاق شرارة الإبداع. التلميذ الحافظ قد يقف عاجزًا، لكن التلميذ المفكر سيبدأ رحلة ذهنية.

معايير التقييم الحديثة

معايير الفروض والاختبارات في التعليم الحديث تُبنى على نموذج تقييم متكامل يهدف إلى قياس المعارف والكفاءات بشكل متوازن. هذا النموذج يقسم التقييم إلى قسمين رئيسيين:

1. تقييم الموارد والمعارف (60%)

يُقسَّم هذا الجزء إلى مستويين:

  • معايير الحد الأدنى: تشمل الحفظ، التصنيف، التركيب، والفهم. وهي تهدف إلى التأكد من امتلاك التلميذ للمعارف الأساسية في المادة.
  • معايير الحد الأعلى: تشمل الإبداع، الابتكار، والتقييم. وهي تقيس قدرة التلميذ على التفكير النقدي، وتقديم حلول مبتكرة، وتقييم المعلومات بشكل موضوعي.

2. تقييم الكفاءات (40%)

يُقاس من خلال وضعيات إدماجية تتكون من:

  • سياق: مشكلة واقعية أو موقف ملموس يواجهه التلميذ.
  • سندات: وثائق أو معطيات تساعد التلميذ على فهم المشكلة
  • تعليمة: طلب محدد لكتابة مقال يحل المشكل     

    هذا يعني أن التلميذ لا يُطلب منه فقط أن يحفظ ويكرر، بل أن يفكر، ويحلل، ويُبدع.

    الهدف هو تدريب التلاميذ على اكتساب مهارات القرن الحادي والعشرين: حل المشكلات، التفكير الإبداعي، التفكير النقدي، والعمل الجماعي. هذه المهارات هي ما يحتاجه المجتمع اليوم، وليس مجرد "حافظ للمعلومات". فالوصول الى المعلومات اصبح اسهل ما يكون في عصرنا الحالي.

    تصنيف بلوم: سُلّم الصعود من الحفظ إلى الإبداع

    مخطط هرمي يوضح تصنيف بلوم للمعرفة من التذكر والفهم إلى التطبيق والتحليل والتقييم والإبداع باللغة العربية

    يعتمد هذا النموذج على إطار عالمي يُعرف بـ"تصنيف بلوم" (Bloom's Taxonomy)، الذي يرتب مهارات التفكير في ستة مستويات متدرجة، تبدأ من البسيط وتصعد إلى الأكثر تعقيدًا. هذه المستويات هي:

    • التذكر: استرجاع المعلومات.
    • الفهم: شرح الأفكار والمفاهيم.
    • التطبيق: استخدام المعرفة في مواقف جديدة.
    • التحليل: تفكيك المعلومات إلى مكوناتها.
    • التقييم: إصدار أحكام بناءً على معايير.
    • الإبداع: إنشاء شيء جديد وأصيل.

    التعليم الفعال هو الذي يدفع التلميذ للصعود على هذا السلم، لا البقاء في الدرجة الأولى.

    قوة السؤال المفتوح: كيف نطلق شرارة الإبداع؟

    قد يظن البعض أن عدم تقديم أمثلة جاهزة للتلاميذ حول كيفية تطبيق مفهوم ما هو نقطة ضعف في التدريس. لكن في الحقيقة، هذه هي نقطة القوة بعينها، لأننا عندما نمتنع عن تقديم "الحل الجاهز"، فإننا نفتح الباب على مصراعيه أمام التلميذ ليبدع ويفكر بشكل مستقل. فالتلميذ الفاهم والمبدع لن يقف عاجزًا، بل ستبدأ في عقله سلسلة من عمليات التفكير المنهجي؛ فيحلل المفهوم الأساسي قائلاً لنفسه: "التنوع الثقافي هو الاختلاف في العادات، التراث، الفنون، والمأكولات، اللغات، الديانات و البيئات ...". ثم يربط هذه المكونات بواقعه فيفكر في تنوع الأزياء التقليدية والمواقع الأثرية و البيئات في بلده و الحرف التقليدية. وأخيرًا، تأتي لحظة الإبداع حين يبتكر حلولاً عملية يحيب بها عن السؤال: كيف ندعم هذا التنوع؟ ويقترح: "إذًا، يمكننا تنظيم معرض صور للمواقع الأثرية، أو يوم لعرض الأزياء التقليدية، أو مهرجان للمأكولات الشعبية!". هذه الرحلة الفكرية القصيرة هي بالضبط ما يميز التعليم الهادف عن التلقين، وهي التي تصنع الفارق بين تلميذ يحفظ وتلميذ يبتكر.

    وماذا عن التلميذ المبدع الذي لا يحفظ جيدًا؟

    هناك فئة من التلاميذ قد لا يملكون ذاكرة قوية، لكنهم يمتلكون عقولاً مبدعة وقدرة مذهلة على الفهم والتحليل وحل المشكلات. هؤلاء ليسوا "تلاميذ ضعافًا"، بل هم يمثلون نوعًا مختلفًا من الذكاء. عقولهم لا تتفوق في تخزين المعلومات، بل في معالجتها وإيجاد الروابط بينها وتركيبها لإنتاج أفكار جديدة. عندما نضع أمامهم سؤالاً يتطلب الحفظ، قد يتعثرون، ولكن عندما نضعهم أمام مشكلة حقيقية تتطلب التفكير، فإنهم يبدعون ويتفوقون. إن وجود هذا النوع من الأسئلة في تقييماتنا ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة لإنصاف هذه العقول ومنحها الفرصة التي تستحقها لإظهار إمكاناتها الحقيقية.

    وهم العلامة الكاملة: من أين يأتي التركيز على 20/20؟

    أحد أسباب تمسك البعض بالحفظ هو "هوس العلامة الكاملة". لقد اعتاد الكثير من التلاميذ وأولياء الأمور، خاصة في المرحلة الابتدائية، على طبيعة الأسئلة المباشرة التي تكون إجاباتها محفوظة وواضحة، مما يجعل الحصول على العلامة الكاملة 20/20 هدفًا ممكنًا. لكن مع الانتقال إلى المرحلة المتوسطة، تتغير طبيعة التقييم ليصبح أكثر تعقيدًا ويركز على مهارات التحليل والتركيب والإبداع. هنا، يصبح الحصول على العلامة الكاملة أصعب، ليس لأن التلميذ أقل ذكاءً، بل لأن المطلوب منه أصبح أعمق من مجرد استرجاع المعلومة. يجب أن ندرك أن علامة 16/20 مع إجابة إبداعية ومبتكرة قد تكون أثمن بكثير من علامة 20/20 في اختبار يعتمد كليًا على الحفظ.

    نصيحة لأولياء الأمور والتلاميذ

    لا تقلقوا إذا لم تجدوا في الفروض او مواضيع الاختبارات كل ما درستموه حرفيًا. الهدف هو أن تتعلموا كيف تفكرون، وكيف تستخدمون معارفكم في مواقف جديدة. تذكروا: التلميذ الذكي هو من يستطيع حل مشكلات جديدة، وليس من يحفظ فقط.

    تلميذ يحفظ أم تلميذ يبتكر؟

    إذا بقي تركيزنا على الحفظ فقط، فإننا نخاطر بصناعة تلاميذ ينهارون عند أول سؤال جديد يواجههم في الحياة أو في العمل. مهمتنا كمربين وأولياء أمور هي تشجيع الفضول، ومكافأة المحاولة، وبناء الثقة لدى أبنائنا بأن عقولهم قادرة على أكثر من مجرد التخزين. نريد جيلاً لا يخشى الأسئلة الجديدة، بل يراها فرصة للابتكار.

    الحفظ مهم، لكنه ليس الكفاية. المطلوب أن ننتقل من "التلميذ الحافظ" إلى "التلميذ المفكر" و"التلميذ المبدع".

    شاركنا رأيك: كيف ترى التلميذ الذكي في مدرستك؟ وهل تعتقد أن التعليم في مدرستك يركز على الحفظ أم على الإبداع؟

محمد بوداني
محمد بوداني
أستاذ متخصص في التاريخ والجغرافيا بخبرة تزيد عن 22 عامًا في ميدان التعليم. مؤلف كتاب "مصباح: أضئ عقلك وحول التعلم إلى مغامرة"، ومؤسس مدونة Taalim Hub ومجتمع مصباح. شغفي هو تبسيط العلوم وجعل التعلم رحلة ممتعة وملهمة. أشارك هنا استراتيجيات عملية وتقنيات حديثة لمساعدة الطلاب وأولياء أمورهم على تحقيق النجاح الدراسي وبناء مستقبل مشرق.
تعليقات