«أعتقد أن شراء بضع غنمات أفضل من التعليم.
قد تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى مزحة عابرة أو تعليقًا ساخرًا، لكنها في الحقيقة خلاصة تجربة وألم عميق لخصها زميلي الأستاذ حمزة. إنها ليست دعوة لترك المهنة، بل جرس إنذار لكل من يرى في التعليم مهنة وردية مليئة بالرسائل السامية فقط. قبل أن تخطو خطوتك الأولى نحو هذا العالم، اسمح لي أن أشاركك ما لا يخبرونك به عادةً من واقع خبرة تمتد لأكثر من 20 عامًا.
ليست مجرد وظيفة: استنزاف نفسي وبدني مستمر
غالبًا ما يُصوَّر المعلم على أنه صاحب رسالة خالدة، وهذا صحيح. لكن خلف هذه الصورة النبيلة يكمن ضغط ثلاثي الأبعاد: نفسي، بدني، وعقلي. الروتين اليومي ليس مجرد تحضير للدروس وشرحها، بل هو صراع محموم مع الوقت لإنجاز المنهاج، ومتابعة عشرات الطلاب باحتياجاتهم المختلفة، والتعامل مع ضغوط الإدارة وأولياء الأمور.
جسديًا، أنت تقف لساعات، تتحدث بصوت عالٍ، وتتنقل باستمرار. وعقليًا، أنت في حالة تأهب دائم، تفكر في كيفية تبسيط معلومة معقدة، أو إدارة فوضى محتملة في الفصل، أو إيجاد طريقة للوصول إلى طالب انطوائي. هذا الاستنزاف لا يتوقف بانتهاء اليوم الدراسي، بل يرافقك إلى منزلك على هيئة أوراق تصححها أو خطط تعدها للغد.
معركة غير متكافئة: صراع الأجيال والطاقة المتناقصة
هنا تكمن الحقيقة الأكثر قسوة والتي لا يدركها إلا من عاشها. تخيل نفسك في الأربعين أو الخمسين من عمرك، تواجه كل يوم أجيالًا من المراهقين في ذروة طاقتهم ونشاطهم. مهما كنت تملك من قوة وعزيمة، فإن قوانين الطبيعة لا ترحم. قوتك البدنية والنفسية تبدأ بالتراجع تدريجيًا، بينما طلابك يتجددون كل عام؛ جيل يذهب وجيل يأتي، وكلهم بنفس الحيوية والتمرد والفضول.
هم يستهلكون طاقتك وصبرك، عامًا بعد عام. بعد عشرين سنة من العطاء، ستجد نفسك منهكًا، بينما يقف أمامك جيل جديد بنفس القوة التي واجهتها في أول يوم لك في المهنة. أنت تتقدم في العمر وتتراجع قواك، بينما هم يتجددون باستمرار. إنها معادلة غير متكافئة تترك أثرها العميق على كل معلم، مهما بلغت درجة شغفه.
قبل أن تقرر: فكّر ألف مرة
هذا المقال ليس محاولة لتحطيم أحلامك أو تثبيط عزيمتك، بل هو دعوة صادقة للتفكير بوعي ومسؤولية. الشغف بالتعليم ضروري، لكنه وحده لا يكفي للبقاء. اسأل نفسك بصدق:
- هل أمتلك الصلابة النفسية لتحمل الضغط اليومي والتعامل مع الأجيال الصعبة؟
- هل أنا مستعد بدنيًا لمهنة تتطلب الوقوف والحركة والطاقة المستمرة لسنوات طويلة؟
- هل أدرك أن التعليم ليس مجرد 50 دقيقة في الفصل، بل هو التزام يمتد على مدار اليوم والأسبوع والسنة؟
- هل أنا مستعد للتضحية بجزء كبير من وقتي الخاص وحياتي الشخصية من أجل هذه المهنة؟
خاتمة: دعوة إلى قرار واعٍ
إن قرار دخول ميدان التعليم يجب أن يكون أحد أكثر القرارات نضجًا في حياتك. يجب أن يكون مبنيًا على فهم عميق للتحديات بقدر ما هو مبني على الشغف بالرسالة. فكر مليًا، استشر معلمين قدامى، واقرأ عن واقع المهنة بعيدًا عن الشعارات البراقة.
فالتعليم ليس مجرد وظيفة تذهب إليها صباحًا وتعود منها مساءً، بل هو حياة تختار أن تعيشها بكل ما فيها من تحديات عظيمة ومكافآتٍ قد تكون خفية.
