لا شكّ أنّكم، أيّها الأساتذة الكرام في التعليم المتوسّط بالجزائر، تتمنّون دومًا تطوّر تلاميذكم فكريًّا ومعرفيًّا، وتسعون لتسليحهم بمهاراتٍ قوية تخوّلهم النجاح في عالمٍ متسارع التغيّر! وهل هناك أجمل من أن تتلمّسوا هذا التقدم في عيون تلاميذكم وتشعروا بنشاطهم ورغبتهم الحقيقية في التعلّم؟ لهذا السبب تحديدًا، تُعدّ إستراتيجية “فكر زاوج شارك” إحدى أهمّ أدوات التعلّم النشط (أو التعلّم الفعّال) التي يمكنها إحداث فارقٍ ملموس في حجرة الدراسة. فلا يخفى عليكم أنّ اعتماد استراتيجيات التعليم الحديثة أصبح حاجة ملحّة، خاصّة في مراحل التعليم المتوسّط التي تُعدّ من أهمّ وأدق المراحل التأسيسيّة في حياة التلميذ.
في هذا المقال، سنغوص معًا في عوالم التعلّم النشط، ونركّز على واحدة من أكثر طرائقه فاعليّة “فكر زاوج شارك”. سنوضّح ماهيّتها ونستعرض آليّاتٍ مجرّبة لتطبيقها في البيئة التعليمية الجزائرية، فضلاً عن أمثلة حية وتجارب واقعيّة قد تُلهمكم وتبسّط أمامكم طريق التفعيل الناجح لهذه الإستراتيجية في صفوفكم الدراسية. فكونوا معنا خطوة بخطوة، وبإذن الله ستخرجون بمفاتيح عمليّة تحفّز التلاميذ على المشاركة، وتُكسبكم ميزات جديدة في إدارة الحصة وتحقيق أهدافكم التعليمية.
أوّلًا: مفهوم التعلّم النشط وملامحه الرئيسة
قبل أن نعرّج على إستراتيجية “فكر زاوج شارك”، لا بدّ من الوقوف سريعًا على فلسفة التعلّم النشط، فهو اليوم يعدّ من أبرز استراتيجيات التعليم الحديثة التي ترتكز على جعل التلميذ محور العمليّة التعليمية. نحن نتحدّث عن تحويل التلميذ من مجرّد متلقٍ للمعلومة إلى عنصرٍ مشارك وفعّال في بناء المعرفة، ما يضمن تنمية مهارات التعلّم التعاوني، ويؤدي في النهاية إلى تحفيز التلاميذ على المشاركة وترسيخ المعلومة بشكلٍ أفضل وأعمق.
إنّ التعلّم النشط في جوهره يستهدف إيقاظ فضول التلميذ، وجعله يتساءل ويبحث ويكتشف الحلول ويحلّل المعطيات. فهو لا يكتفي بالإصغاء والتدوين، بل يشركه في المسؤولية التعليمية ذاتها، ويستفز طاقاته العقلية والإبداعية. وبذلك، تكون العلاقة بين المعلّم والتلميذ علاقة شراكة مثرية تعود بالنفع على الطرفين. ويؤكد الباحث التربوي د. سمير الحكيم في دراسة أجراها عام 2020 أنّ «التلميذ ينجذب أكثر نحو دروسٍ يجد فيها فرصًا للحوار والنقاش والعمل الجماعي»، مشيرًا إلى أنّ هذه الأجواء التفاعليّة تمنح التلميذ دافعًا أقوى للتعلّم والاستمرار في رحلة الاكتساب المعرفي.
ثانيًا: إستراتيجية “فكر زاوج شارك” – تعريفٌ ومكوّنات
ما الذي نعنيه عندما نقول “فكر زاوج شارك”؟ يُشار إليها في الأدبيّات التربويّة العالمية بمصطلح Think-Pair-Share، وهي واحدة من استراتيجيات التعليم الحديثة التي تندرج تحت مظلّة التعلّم النشط. تقوم هذه الطريقة على مبدأ بسيط وعميق في آنٍ معًا: أن يفكّر التلميذ بشكلٍ فردي في سؤالٍ ما أو مشكلةٍ معيّنة تُطرح في بداية النشاط (فكر)، ثم ينتقل للبحث المشترك من خلال ثنائيات أو مجموعات صغيرة (زاوج)، وأخيرًا يشارك نتائج ما توصّل إليه مع الصف كاملاً (شارك).
ولعلّ سرّ نجاح إستراتيجية “فكر زاوج شارك” يكمن في الخطوات الثلاث التي تمرّ فيها العملية، والتي تشجّع تدريجيًا على إشراك الجميع دون استثناء. فالمرحلة الأولى (فكر) تمنح التلميذ فرصة للتأمّل الفردي، وتتيح له أن يُحلّل السؤال بنفسه، ما ينمّي ثقته في قدراته العقلية ويحرّك ملكة الابتكار. أمّا المرحلة الثانية (زاوج)، فتسلّط الضوء على مهارات التعلّم التعاوني وتعزّز الشعور بروح الفريق والتفاعل الإيجابي بين التلاميذ. ثم تحين المرحلة الثالثة (شارك)، وفيها يتمّ توسيع دائرة النقاش إلى الصف بأكمله، ما يسمح بتبادل الأفكار والاستفادة من تنوّع وجهات النظر وتعميق الفهم.
ثالثًا: كيفيّة تطبيق “فكر زاوج شارك” في القاعات الدراسيّة الجزائريّة
إنّ التعلّم النشط بجميع أساليبه، وخصوصًا إستراتيجية “فكر زاوج شارك”، لا يعتمد على نماذج مثبّتة أو تعليمات جامدة، بل هو قابل للتكيّف مع البيئة الثقافية والاجتماعية في كل بلد. ومن هذا المنطلق، يمكن للأساتذة في الجزائر إجراء التعديلات اللازمة لضمان نجاح عمليّة التعلّم. إليكم خطواتٍ عمليّة يمكن الاسترشاد بها:
1. التهيئة والتحفيز:
• ابدأ الحصة بقضية قريبة من واقع التلاميذ في الجزائر، كالمشكلات البيئية، أو حادثة اجتماعية، أو تحديات تقنية تواجه الشباب.
• عزّز شعورهم بأنّ المسألة التي تطرحها تهمّهم وتتقاطع مع اهتماماتهم الشخصية. على سبيل المثال: “ما رأيكم في انتشار الهواتف الذكية بين المراهقين؟ هل تساعد على التعلّم أم تشتّت الانتباه؟”
• اطرح سؤالاً أو مشكلة محدّدة يتطلّب حلّها تفكيرًا هادفًا.
2. مرحلة “فكر” الفرديّة:
• امنح التلاميذ وقتًا قصيرًا (دقيقتين إلى خمس دقائق وفقًا لتعقيد السؤال) ليتأمّلوا الإجابة بمفردهم.
• أكّد على ضرورة أنك لست بانتظار “الصواب أو الخطأ” بقدر ما تهتمّ بالتحليل وطريقة التفكير.
3. مرحلة “زاوج” ضمن ثنائيات أو مجموعات صغيرة:
• قسّم التلاميذ إلى ثنائيات، أو مجموعات ثلاثية حسب عددهم في الفصل ومساحة القاعة الدراسيّة.
• اطلب منهم تبادل الأفكار التي كوّنوها في مرحلة “فكر”، والعمل على تكوين إجابة موحّدة أو طرح مجموعة من الحلول.
• يمكن للمعلّم التنقّل بين المجموعات للإصغاء وتقديم الدعم اللّازم دون التّدخل المباشر الذي يقيّد تفكيرهم.
4. مرحلة “شارك” مع بقية الصف:
• اختر بعض الثنائيات أو المجموعات عشوائيًا لتقديم أفكارهم أمام الجميع.
• افتح باب الأسئلة والتعقيب من قِبل الزملاء.
• سجّل الملاحظات المهمّة التي تُطرح أثناء المناقشة، لتحويلها فيما بعد إلى مخرجات عملية أو نقاط تعليمية.
5. التقييم والمتابعة:
• استخدم طرق تقييم متنوعة: شفهية، كتابية، أو مشاريع قصيرة مبنيّة على ما نوقش، وبذلك يتمّ تثبيت المعرفة.
• اخلق فرصًا للمتابعة والاستمرار في مشاركة الأفكار أو الأسئلة عبر أدوات رقمية إن أمكن، مثل إنشاء مجموعة نقاش على إحدى منصات التواصل المخصصة للتعليم.
رابعًا: أمثلة عملية من الخبرات الميدانية في الجزائر
1. درس العلوم الطبيعية حول البيئة المحلية:
في إحدى مدارس ولاية تيبازة، جرّبت المعلمة أستاذة “فاطمة بوحجّة” هذه الإستراتيجية، فطرحت مشكلة “النفايات البلاستيكية على الشواطئ وتأثيرها على الحياة البحرية”. أعطت لكل تلميذ لحظات للتفكير في الحلول الممكنة، ثم جمعتهم في ثنائيات. فانطلقوا في نقاشٍ حيوي حول أسباب المشكلة وطرق الحدّ منها من منظور بيئتهم المحلية. وفي المرحلة الأخيرة، تفاجأت المعلمة بكمّ المقترحات المبدعة – كتخصيص حملات توعية على وسائل التواصل الاجتماعي أو إنشاء نادٍ بيئي في المدرسة. هذا المثال يعكس كيف يمكن لاستراتيجية “فكر زاوج شارك” أن توقظ حسّ المسؤولية لدى التلاميذ، وتحفّزهم على المشاركة البنّاءة.
2. حصة التربية المدنية في قسم السنة الاولى متوسّط:
قرّر الأستاذ “عبد الحليم بن حسانة” طرح سؤال يُفكّر فيه التلاميذ بعمق: “كيف يمكن تعزيز التعايش الثقافي بين سكان الجزائر من مختلف المناطق؟”. قام التلاميذ أولاً بالبحث الفردي في تجارب سابقة، ثم تشاركوا في مجموعات صغيرة، وانتهوا بعرض خلاصة نقاشاتهم في الحصة الختامية. لم تقتصر الفائدة على الجانب المعرفي فقط، بل خلقت إحساسًا بالانتماء والاحترام المتبادل بين التلاميذ، ما شكّل جوًّا من الألفة والترابط.
3. تبنّي الوسائل الرقمية:
في بعض مدارس العاصمة الجزائر، بدأ بعض المعلّمين باستخدام اللوحات التفاعلية أو تطبيقات تعليمية تسمح بالتشارك عبر الإنترنت، مثل تطبيق “كاهوت” (Kahoot). يمكن دمج هذه التكنولوجيا مع “زاوج فكر شارك” لتحفّز التلاميذ على البحث عبر الإنترنت عن إجابات مختصرة أو موارد داعمة، وتطبيقها بصورة تعاونية. وهنا يجتمع التعلّم النشط مع التقنيات الحديثة، فيتولّد نموذج تعليمي متكامل يثير الدافعية لدى التلاميذ.
خامسًا: تحديات شائعة وطُرق التعامل معها
لا يخفى على أحدٍ أنّ تطبيق استراتيجيات التعليم الحديثة قد يصاحبه بعض التحديات، خاصّة في المراحل الأولى من الانخراط فيها. إليكم أهمّ المشكلات الشائعة في مدارس التعليم المتوسّط الجزائري، مع اقتراحات للتعامل معها:
1. الخوف من التغيير أو الإحراج:
قد يشعر بعض التلاميذ بالخجل عن التعبير أمام الزملاء، أو بالتردّد في طرح أفكارهم. للتغلب على ذلك، احرصوا على توفير أجواء كلّها ترحيب وتفهّم. أكّدوا للتلاميذ أنّ الخطأ خطوة في طريق التعلم، وأن كل فكرة جديرة بالاستماع.
2. ضيق الوقت في الحصص الدراسية:
في بعض الأحيان، يبدع التلاميذ في النقاشات إلى درجة أنّ الوقت يمرّ سريعًا. لذا، من المهم ضبط التوقيت لكل مرحلة من مراحل “فكر زاوج شارك”، وتحديد عددٍ معيّنٍ من الثنائيات أو المجموعات للمشاركة الشفوية في الأخير. يمكن للبقيّة كتابة أفكارهم بشكل موجز لتجنّب الإطالة المفرطة.
3. تباين المستوى بين التلاميذ:
قد يجد بعض التلاميذ صعوبة في مجاراة زملائهم الأكثر تفوّقًا. هنا يأتي دور المعلّم في توزيع المجموعات بشكلٍ متوازن بحيث تضمّ مختلف المستويات، ليُسهموا في دعم بعضهم البعض. يمكن أيضًا تشجيع التلاميذ المتميّزين على تبسيط الأفكار لزملائهم، ما يُعزّز قيمة التعلّم التعاوني.
4. نقص الإمكانيات المادية:
قد تفتقد بعض القاعات الدراسية وسائل تكنولوجية أو مستلزمات كافية. ومع ذلك، يظلّ في الإمكان تنظيم الإستراتيجية باستثمار الموارد المتاحة، مثل اعتماد أوراق العمل البسيطة واللوحات الورقية الكبيرة لعرض الأفكار. المهم أن تسود روح المشاركة والنقاش الفعّال، فالوسائل المادية ليست شرطًا مُلزمًا لإنجاح التعلّم النشط.
سادسًا: نصائح ختامية للمتابعة والتطبيق
1. ابدأ بإستراتيجيات صغيرة:
إذا كنت حديث العهد بتطبيق التعلّم النشط، فيمكن البدء بأنشطة قصيرة وبسيطة لـ”زاوج فكر شارك”، ثم التدرّج في التعقيد شيئًا فشيئًا.
2. خطّط للدروس وفق أهداف محدّدة:
يشدّد خبراء التربية، مثل د. مليكة مسعود، على أنّ التخطيط قبيل الحصة هو مفتاح الإنجاز. حدّد ما تريده من تلاميذك أن يتعلّموه ويتدرّبوا عليه، ثم اختر “زاوج فكر شارك” كأداة لدعم تحقيق الهدف.
3. دوّن ملاحظاتك وانطباعات تلاميذك:
بعد تنفيذ النشاط، اجمع التغذية الراجعة (Feedback) من التلاميذ واسألهم عمّا استفادوه أو ما وجدوه صعبًا. إذ بهذا التفاعل تبني خبرة متراكمة تساعدك على تطوير أسلوبك وتحسين الأنشطة المستقبلية.
4. تبادل الخبرة مع الزملاء:
أحيانًا تكون الجلسات التربويّة أو اللقاءات الأسبوعية فرصة ثمينة لتبادل الخبرات بين الأساتذة. شاركوا أمثلة عمليّة عمّا نجح في صفوفكم، وتعلّموا من تجارب غيركم؛ هكذا تُبنى ثقافة التعلّم المجتمعي في الوسط التعليمي الجزائري.
5. وظّف التشجيع والتحفيز النفسي:
تعدّ هذه النقطة أساسية في تحفيز التلاميذ على المشاركة. قُم بالإشادة بعرضٍ جيّدٍ أو فكرةٍ خلاّقةٍ مهما بدت بسيطة، وفاجئ التلاميذ أحيانًا بتقديرات رمزية أو بشهادات شكر كي يشعروا بقيمة تعبهم وبثمرات اجتهادهم.
خاتمة
على الرّغم من اختلاف البيئات الثقافية والاجتماعية في دول العالم، يبقى جوهر التعلّم النشط واحدًا لا يتغيّر: جعل التلميذ في قلب العملية التعليمية، وتعزيز تفاعله مع المضمون الدراسي بشتّى الطرق الممكنة. ولا شكّ أنّ إستراتيجية “فكر زاوج شارك” تمثّل ركيزة مهمّة في هذا المجال، إذ تعزّز مهارات التعلّم التعاوني، وتحفّز التلاميذ على المشاركة، وتصقل قدراتهم على التفكير النقدي والإبداعي.
إنّ طلابنا في مرحلة التعليم المتوسّط يحتاجون باستمرار إلى خبراتٍ تعليميّةٍ غنيّةٍ ومشوّقة، تلبّي احتياجاتهم الذهنية والعاطفية. ولعلّ تطبيق التعلّم النشط بطرقه المختلفة، وبخاصّة إستراتيجية “فكر زاوج شارك”، يمثّل إحدى أكثر الخطوات واقعيّةً وفاعلية لتجديد حجرة الدراسة ورفع مستوى الحماس والتجاوب.
أعزّائي الأساتذة، لا تتردّدوا في خوض هذه التجربة و الاستراتيجية الرائعة، وتذكّروا دومًا أنّه ربّما تبدو البداية صعبة بعض الشيء، لكن النتائج التي ستؤتي ثمارها حتمًا ستستحق هذا العناء. ابدأوا صغيرًا، واغتنموا خبرة التطبيق التدريجي، وزيّنوا حصصكم بنشاطات تفاعلية تخرج التلميذ من بوتقة التلقّي السلبي إلى حيوية المشاركة والإبداع. ولن تنسوا حينها أنكم تبنون جيلًا واعيًا مسؤولًا يعرف كيف يفكّر ويتعاون ويشارك.
إنّ تحفيز التلاميذ على المشاركة ليس مجرّد خطوة تعليمية عابرة، بل هي صميم تطوير الإنسان الجزائري الواعد، القادر على المبادرة والابتكار والقيادة. ومع هذه القوّة الجماعية في الصفّ، سينطلق التعلّم النشط ليكون أسلوب حياة، لا مجرّد إستراتيجية تربوية محدودة الإطار.
