تأمل هذه اللحظة التي تتكرر كثيراً داخل قاعات الدراسة: يجلس التلميذ أمام ورقة الاختبار، يقرأ نص «الوضعية المشكلة» أو المسألة المطروحة، وفجأة يشعر بعجز مؤقت عن البدء. يزداد التوتر، وتتداخل الأفكار، وقد يخيل إليه أن كل ما تعلمه أو حفظه قد اختفى في تلك اللحظة.
هنا يقع كثير من المتعلمين في فخ يمكن تسميته «التخمين العشوائي»: استدعاء أول معلومة تخطر في الذهن، أو اختيار قانون يبدو قريباً من المطلوب، أو رصف مجموعة من الإجابات دون رابط واضح، أملاً في الوصول إلى الإجابة الصحيحة بالمصادفة.
والشائع بين التلاميذ، بل وحتى لدى بعض الأولياء، أن العجز أمام الوضعيات المعقدة يعني بالضرورة ضعف الذاكرة أو نقص الذكاء. لكن هذا التفسير ليس كافياً. فقد يمتلك المتعلم قدراً جيداً من المعارف، ومع ذلك يعجز عن استخدامها عندما يواجه مشكلة جديدة أو غير مألوفة.
المشكلة هنا قد لا تكون في امتلاك المعرفة، وإنما في كيفية تنظيمها واستدعائها وتوظيفها.
ومن هذه الزاوية، فإن حل المشكلات ليس موهبة فطرية محصورة في فئة معينة من المتعلمين، بل هو مجموعة من العمليات العقلية والاستراتيجيات التي يمكن تعليمها والتدرب عليها تدريجياً.
أولاً: لماذا نتعثر أمام المشكلات؟
قبل البحث عن طريقة للحل، من المفيد فهم بعض الأسباب التي تجعل المتعلم يتوقف أمام المشكلة.
1. القفز المتسرع نحو الحل
يميل المتعلم أحياناً إلى البحث عن الإجابة قبل أن يتأكد من فهم السؤال. فما إن يقرأ كلمات مألوفة حتى يستدعي قاعدة أو معلومة سبق أن تعلمها، ثم يحاول إسقاطها على الوضعية.
لكن المشكلة قد لا تحتاج إلى هذه القاعدة أصلاً.
لذلك فإن السؤال الأول لا ينبغي أن يكون:
«ما المعلومة التي أحفظها لهذا السؤال؟»
بل:
«ما المشكلة التي يطلب مني حلها بالضبط؟»
2. أثر التوتر والغموض
عندما تأتي المسألة في صياغة جديدة لم يعتد عليها المتعلم، قد تبدو له أصعب مما هي عليه فعلاً. ويزداد الأمر صعوبة عندما يدخل الاختبار وهو يعتقد أن الخطأ دليل على الفشل.
التوتر في هذه الحالة لا ينتج بالضرورة عن نقص المعرفة، بل قد يؤثر في قدرة المتعلم على استدعاء المعرفة وتنظيمها واستخدامها.
ولهذا فإن تعليم المتعلم كيف يبدأ في التعامل مع المشكلة قد يكون مهماً بقدر تعليمه المحتوى نفسه.
3. الخلط بين الظاهرة وسببها
قد يلاحظ المتعلم نتيجة أو ظاهرة واضحة، فيتعامل معها باعتبارها المشكلة نفسها، دون البحث في العلاقات التي أنتجتها.
ففي التاريخ مثلاً، لا يكفي أن نذكر وقوع حدث معين؛ بل قد يكون المطلوب تفسير أسبابه، وربطه بسياقه، وتمييز العوامل المباشرة من العوامل الأعمق.
وفي العلوم، قد لا يكون المطلوب وصف الظاهرة، وإنما تفسيرها اعتماداً على المعطيات والمفاهيم المناسبة.
ثانياً: من التخمين إلى المنهجية
يمكن تدريب المتعلم على التعامل مع المشكلات من خلال أربع حركات ذهنية مترابطة:
فهم المشكلة » تحليلها » بناء مسارات للحل » تنفيذ الحل ومراجعته
وهذه ليست وصفة جامدة يجب تطبيقها حرفياً في كل موقف، وإنما إطار عام يمكن تكييفه بحسب طبيعة المادة والمشكلة.
1. فهم المشكلة وتفكيكها
أول خطوة في الحل ليست الكتابة، وإنما الفهم.
على المتعلم أن يسأل:
- ما المعطيات المتوفرة؟
- ما المطلوب مني تحديداً؟
- ما المعلومات المهمة؟
- هل توجد معلومات زائدة؟
- ما المفاهيم أو المصطلحات التي يجب فهمها؟
- هل يمكن إعادة صياغة السؤال بكلمات أبسط؟
وهنا تظهر قاعدة تربوية بسيطة:
إذا لم تستطع شرح المشكلة لنفسك بلغة بسيطة، فمن المحتمل أنك لم تفهمها بعد.
إعادة الصياغة ليست ترفاً؛ إنها وسيلة للتأكد من الانتقال من قراءة الكلمات إلى فهم المطلوب.
2. البحث عن العلاقات والأسباب
بعد تحديد المشكلة، يبدأ المتعلم في البحث عن العلاقات التي تربط بين عناصرها.
يمكن هنا استخدام أسئلة مثل:
- لماذا حدث ذلك؟
- ما الذي أدى إليه؟
- ما العلاقة بين هذه المعطيات؟
- ما الذي يمكن أن يفسر النتيجة؟
وفي بعض المشكلات يمكن الاستفادة من تقنية «لماذا؟» المتكررة للوصول إلى العوامل الأعمق. لكنها ليست مناسبة بالضرورة لكل مسألة؛ فطريقة التحليل يجب أن تتبع طبيعة المشكلة.
في التاريخ، قد يعني ذلك الانتقال من الحدث إلى أسبابه وسياقه ونتائجه.
وفي الجغرافيا، قد يعني الربط بين الظاهرة والعوامل الطبيعية والبشرية.
وفي العلوم، قد يعني البحث عن العلاقة بين المتغيرات والنتيجة.
3. بناء أكثر من مسار للحل
من الأخطاء الشائعة أن يعتقد المتعلم أن أول فكرة تخطر في ذهنه هي بالضرورة الحل.
الأفضل أن يتعلم، عندما تسمح طبيعة المشكلة بذلك، طرح أكثر من احتمال:
ما الطرق الممكنة لمعالجة هذه المشكلة؟
ثم يقارن بينها:
- أيها ينسجم مع المعطيات؟
- أيها يستند إلى معرفة صحيحة؟
- أيها يجيب عن المطلوب فعلاً؟
- أيها يتعارض مع الأدلة أو المعطيات؟
وهنا ننتقل من التخمين إلى التفكير الاحتمالي المنظم.
فالتفكير في أكثر من احتمال لا يعني قبول جميع الإجابات، بل يعني تأجيل الحكم قليلاً من أجل اختبارها.
4. تنفيذ الحل ومراجعته
بعد اختيار المسار الأكثر ملاءمة، يأتي التنفيذ.
وهنا ينبغي أن تكون الإجابة منظمة ومبنية على خطوات واضحة، لا مجرد مجموعة من المعلومات الصحيحة المبعثرة.
ثم تأتي مرحلة غالباً ما يهملها المتعلم:
المراجعة.
يسأل نفسه:
- هل أجبت عن السؤال الذي طُرح فعلاً؟
- هل استخدمت المعطيات المناسبة؟
- هل توجد قفزة منطقية في الاستدلال؟
- هل هناك تناقض في الإجابة؟
- هل النتيجة التي توصلت إليها منطقية؟
وهذه المراجعة ليست مجرد تصحيح للأخطاء الإملائية؛ إنها اختبار لمنطق الحل نفسه.
ثالثاً: كيف تظهر مهارة حل المشكلات في المواد الدراسية؟
حل المشكلات ليس مهارة خاصة بالرياضيات والعلوم فقط. بل يمكن اعتباره من المهارات الأساسية التي تتقاطع فيها مختلف المواد الدراسية.
في التاريخ والجغرافيا
عند التعامل مع وضعية إدماجية أو سؤال تاريخي، لا ينبغي أن يقتصر عمل المتعلم على استرجاع معلومات محفوظة.
فإذا طُلب منه تفسير حدث تاريخي، مثلاً، فعليه أن يحدد:
- ما الحدث؟
- ما أسبابه؟
- ما سياقه؟
- ما العوامل التي ساهمت في حدوثه؟
- ما نتائجه؟
ثم يوظف المعارف والوثائق المتاحة لبناء إجابة مترابطة.
والأهم هنا أن حفظ المعلومات لا يضمن وحده القدرة على توظيفها. فالمتعلم قد يعرف عشرات التواريخ والأسماء والمصطلحات، لكنه يحتاج إلى معرفة كيفية الربط بينها عندما يواجه سؤالاً جديداً.
أما في الجغرافيا، فيمكن أن تبدأ المعالجة من ملاحظة الظاهرة، ثم تحديدها، ووصفها، وتفسيرها، وربطها بالعوامل المؤثرة فيها، وصولاً إلى استنتاج مناسب.
في الرياضيات والعلوم
في الرياضيات، لا يكفي أن يعرف المتعلم القوانين، بل يحتاج إلى تحديد أي مفهوم أو علاقة رياضية تناسب المعطيات والمطلوب.
وهذا هو الفرق بين:
«أعرف القانون»
و:
«أعرف متى ولماذا أستخدم هذا القانون».
وفي العلوم، يمكن أن يأخذ حل المشكلة صورة أقرب إلى التفكير العلمي: تحديد السؤال، اقتراح تفسير أو فرضية، توظيف المعطيات أو التجربة، ثم تحليل النتائج وبناء الاستنتاج.
وهكذا يصبح التعلم انتقالاً من تطبيق آلي للمعرفة إلى توظيف واعٍ لها.
رابعاً: من «ماذا أحفظ؟» إلى «ماذا أفعل بما أعرف؟»
ربما تكمن إحدى أهم التحولات التربوية في الانتقال من سؤال:
«ماذا يجب أن أحفظ؟»
إلى سؤال أكثر عمقاً:
«ماذا أستطيع أن أفعل بما أعرف؟»
فالمعرفة تظل أساساً ضرورياً؛ فلا يمكن حل المشكلات من فراغ. لكن امتلاك المعلومات شيء، والقدرة على استخدامها في موقف جديد شيء آخر.
ولهذا فإن التعليم الفعال لا ينبغي أن يضع المعرفة والمهارة في مواجهة بعضهما بعضاً.
المعرفة هي المادة الخام، والمنهجية هي طريقة استخدامها.
فالتلميذ يحتاج إلى معرفة المفاهيم والقواعد والأحداث، لكنه يحتاج أيضاً إلى تعلم كيفية تحليل السؤال، واختيار المعلومات المناسبة، وربطها، وبناء الاستنتاج، ومراجعة الحل.
الخاتمة: المنهجية هي ما يجعل المعرفة قابلة للاستعمال
ليست المشكلة في أن التلميذ ينسى بعض المعلومات؛ فالنسيان جزء طبيعي من التعلم. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يعتقد أن المعرفة وحدها تكفي، أو أن النجاح في حل كل وضعية يتوقف على تذكر إجابة سبق أن رآها.
التعليم الذي يركز على حل المشكلات يسعى إلى بناء متعلم لا ينتظر أن تأتيه الإجابة جاهزة، بل يعرف كيف يبدأ البحث عنها.
وعندما يواجه التلميذ وضعية جديدة، لا يكون رد فعله:
«لا أعرف ماذا أفعل.»
بل يصبح تدريجياً:
«سأحدد المطلوب، وأرتب المعطيات، وأبحث عن العلاقات، وأضع احتمالاً أو أكثر، ثم أختبر الحل وأراجعه.»
هنا تحديداً تتحول مهارة حل المشكلات من عبء نفسي أمام ورقة الاختبار إلى منهجية تفكير قابلة للتعلم والتدريب والتطوير.
وهذا، في النهاية، أحد أهم أهداف المدرسة: ألا يخرج المتعلم منها وهو يحمل كمية أكبر من المعلومات فقط، بل وهو يعرف أيضاً كيف يفكر، وكيف يستخدم ما تعلمه عندما يواجه مشكلة لم يرها من قبل.